روايات وقصص

حكايات بسمه1

جوزي كان كل شهر أول ما مرتبي ينزل يقولي:

حوليلي النص، عشان نحوش للشقة.

 

وأنا كنت بحوله من غير نقاش.

 

أربع سنين كاملة.

 

نص مرتبي كل شهر بيروحله، وأنا بضغط على نفسي في كل حاجة عشان حلم الشقة.

 

أأجل هدوم.

 

ألغي خروجات.

 

ولو حاجة في البيت عجبتني أقول:

 

—مش مهم… لما نجيب شقتنا نبقى نجيبها.

 

حتى لما أمي كانت تقولي:

 

—خلي معاكي فلوسك يا بنتي.

 

كنت أدافع عنه.

 

—ده بيحوش لمستقبلنا يا ماما.

 

لحد ما حماتي اتصلت بينا يوم وقالت بفرحة:

 

—تعالوا بكرة، عندي مفاجأة هتعجبكم.

 

روحنا.

 

لقيناها واقفة قدام عمارة جديدة، وأخت جوزي جنبها ماسكة مفتاح وبتضحك.

 

حماتي قالت:

 

—قولوا مبروك لسمر… أخوها جابلها الشقة دي عشان يأمّن مستقبلها.

 

افتكرت إني سمعت غلط.

 

بصيت لجوزي.

 

كان واقف مبتسم.

 

قلت:

 

—إنت اشتريت لأختك شقة؟

 

رد وهو بيتجنب عيني:

 

—آه… أصل جالنا فرصة كويسة.

 

سألته بهدوء:

 

—منين؟

 

حماتي دخلت بسرعة:

 

—من فلوسه طبعًا، هو راجل وبيشيل مسؤولية أخته.

 

دخلنا الشقة.

 

كلهم بيتفرجوا على الأوض، وأنا ماشية وراهم ساكتة.

 

لحد ما أخت جوزي فتحت درج المطبخ عشان توريني التشطيب.

 

لقيت ملف جوه.

 

طلعته.

 

كان عقد الشقة.

 

قلبت أول صفحتين، وبعدها عيني وقفت على إيصال مقدم الحجز.

 

نفس التاريخ اللي جوزي أخد فيه مني مبلغ كبير وقاللي:

 

—دي آخر دفعة ناقصة عشان نكمل مقدم شقتنا.

 

بصيتله.

 

—دي فلوسي؟

 

سكت.

 

حماتي قالت:

 

—فلوسك إيه؟ إنتوا متجوزين، يعني فلوسكم واحدة.

 

قلت:

 

—طب وشقتنا فين؟

 

جوزي قرب مني:

 

—هنبدأ من جديد… متكبريش الموضوع.

 

ضحكت.

 

أربع سنين من مرتبي اتحولوا فجأة لـ«هنبدأ من جديد».

 

لكن اللي محدش فيهم كان يعرفه إني محتفظة بكل تحويل عملتهوله من أول شهر.

 

رجعت البيت، طبعت كشف حساب الأربع سنين، وحطيته قدامه.

 

المبلغ كان كفاية تقريبًا لنص تمن الشقة.

 

قلتله:

 

—قدامك لحد بكرة ترجعلي فلوسي.

 

ضحك بعصبية:

 

—وهجيبهم منين؟ الشقة اتسجلت خلاص باسم سمر.

 

قلت:

 

—دي مش مشكلتي.

 

تاني يوم الصبح حماتي جت البيت ومعاها أخته.

 

حماتي رمت نسخة من العقد قدامي وقالت:

 

—الشقة باسم بنتي، ومحدش يقدر ياخدها منها.

 

قلت:

 

—أنا مش جاية آخد الشقة.

 

وطلعت الملف اللي كنت مجهزاه.

 

جوزي أول ما شاف الورق، وشه اتغير.

 

لأن وسط كشوف التحويلات كان في ورقة هو ناسي تمامًا إنه مضى عليها من 3 سنين.

 

حماتي مدت إيدها تاخدها.

 

جوزي سبقها وخطفها مني.

 

قرأ أول سطر…

 

وبص لأخته وقال:

 

—سمر… قوليلي إن ماما ما كانتش تعرف بالورقة دي.

 

سمر بدأت تعيط.

 

وحماتي لأول مرة من ساعة ما عرفتها… معرفتش ترد.

 

وساعتها بس فهمت إن جوزي مكانش الوحيد اللي خد فلوسي.

 

 

البيت بقى هادئ لدرجة تقطع النفس. صوت الهوا اللي داخل من الشباك المفتوح كان هو الصوت الوحيد الموجود في الصالة. حماتي كانت بتبص لابنها بنظرة كلها توتر، وأخت جوزي “سمر” كانت قاعدة على الكنبة بتعيط بهستيريا وتغطي وشها بإيديها.

جوزي بلع ريقه بصعوبة، ووشه اللي كان مصفّر بقى أحمر جداً. الورقة اللي في إيده كانت كفيلة تفكك كل الأكاذيب اللي بناها طوال الأربع سنين اللي فاتت. دي ما كانتش مجرد إيصالات تحويل بنكية تثبت إن فلوسي كلها راحت في الحساب اللي اتسحب منه مقدم الشقة، دي كانت إقرار مكتوب بخط إيده وبصمته، وقت ما كان محتاج مبلغ طارئ لمشروع وهمي، وكتبلي فيه تعهد رسمي برده خلال سنة، ومكتوب تحته بالنص: “وفي حال عدم السداد، يحق لزوجتي اتخاذ كافة الإجراءات القانونية لحفظ حقوقها، بما في ذلك ممتلكاتنا المشتركة”. وهو وقتها كان نسي تماماً إنه مضى الورقة دي وسط زحمة الوعود والكلام المعسول.

قعدت على الكرسي قصادهم بهدوء غريب، هدوء ما كنتش أعرف إني أملكه. بصيت لحماتي اللي كانت واقفة مش قادرة تنطق، وقبل ما حد فيهم يتكلم، قلت بصوت ثابت:

—الورقة اللي في إيد ابنك دي يا طنط، مش مجرد إيصال فلوس. دي صك يفضح كل حاجة. ابنك ما ضحكش عليا لوحدي، ده استخدم تعبي أنا عشان يشتري بيه رضاكم على حساب مستقبلي أنا.

حماتي حاولت تسترجع قوتها المعتادة، وبلعت ريقها وقالت بصوت مهتز شوية:

—إنتِ… إنتِ بتلوي دراع جوزك بورقة تعبانة؟ دي عيلة واحدة، وبيت واحد…

قاطعتها بسرعة وقوة:

—بيت مين يا طنط؟ البيت اللي اتأسس على الكدب وسرقة تعبي بالقرش؟ أربع سنين وأنا بحرم نفسي من أبسط حقوقي عشان أسمع كلمة “شقتنا”، وفي الآخر أكتشف إن شقتنا دي كانت تذكرة ذهاب فقط لاسم سمر.

سمر رفعت وشها وقالت بصوت مكسور:

—والله يا مراتي أخويا… أنا ما كنتش أعرف إن الفلوس دي…

بصيت لها وقولت:

—إنتي كنتِ عارفة أو مش عارفة، الشقة دلوقتي باسمك. وده معناه إنها طرف في الموضوع قانونياً.

جوزي قرب مني بخطوات بطيئة، ونزل على كوعه قصادي على الأرض، وقال بصوت كله رجاء وتوسل:

—أرجوكِ… اهدي. متكبريش الموضوع ونوصل للمحاكم والقضاء. أنا هحل كل حاجة، والله هجيبلك فلوسك، بس سيبي الورقة دي معايا. متخربيش بيتنا عشان شقة.

بصيت في عينه كويس. العين اللي كانت بتضحك في وشي كل شهر وهي بتاخد مني المرتب. سألته ببرود:

—هتجيبهم منين؟ الشقة اتسجلت باسم أختك، وطالما اتسجلت، مش هتعرف تبيعها أو تتصرف فيها بالساهل، ده غير إن تمنها الحقيقي أضعاف المبلغ اللي حوليته بس.

دخلت الأوضة وقفلت الباب ورايا دقيقة واحدة، وطلعت معايا شنطة هدومي الصغيرة اللي كنت مجهزة جزء منها من امبارح، وشنطة تانية فيها كل أوراقي الشخصية والمستندات.

جوزي جري عليا ومسك شنطة الهدومي:

—إنتي رايحة فين؟ مجنونة إنتي؟ سيبتي البيت ليه؟

سحبت الشنطة من إيده بقوة، وبصيت له نظرة أخيرة وقسمت له بصوت هادئ:

—أنا رايحة عند أمي. والورقة دي معايا في الشنطة، ومعايا كمان نسخة مصورة في مكان آمن. قدامك أسبوع واحد يا طارق. يا إما فلوسي كلها ترجع في حسابي بالجنيه، يا إما بكرة الصبح هيكون في محامي قاعد قدام نيابة الأموال العامة ومحكمة الأسرة بالملف ده كله. وساعتها مش الشقة بس اللي هتضيع، ده كل حاجة تانية هتتكشف.

مشيت وسبتهم ورايا. صوت عياط سمر وصراخ حماتي كان بيقل كل ما قربت من باب الشقة. نزلت على السلم، وأول ما هويت الهوا النظيف في الشارع، حسيت بكتف مفرود لأول مرة من أربع سنين. ركبت التاكسي وفي طريقي لبيت أمي، فتحت التليفون وبصيت لرسائل التحويلات القديمة، ومسحت دمعة نزلت غصب عني، بس المرة دي.. مش حزن، دي كانت دمعة بداية جديدة.

لما دخلت بيت أمي، فتحت الباب وأنا حاسة إن جسمي كمهدوم من التعب، بس روحي فيها نفس جديد. أمي فتحت الباب، وبمجرد ما بصت في عيني وشافت الشنطة في إيدي، فهمت كل حاجة من غير ما أنطق حرف واحد. حضنتني جامد، حضن حسسني إني أخيرًا رجعت لنفسي بعد ما كنت تايهة سنين طويلة. قعدت حكيت لها كل اللي حصل، تفصيلة تفصيلة، من أول مفاجأة العمارة والشقة باسم سمر، لحد ورقة الإقرار اللي نزلت عليهم زي الصاعقة.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى