عام

حكايات زهره الربيع 1

ردّ الطبيب متنهداً: “لأن هذا المركب مصمم بتركيز عالٍ جداً ليتلاءم مع كيمياء جسد امرأة بالغة، لكن عندما دخل جسد فتاة في الخامسة عشرة من عمرها، حدث اضطراب مضاعف. المركب هاجم الأوعية الدموية الصغيرة في الأطراف بسرعة قياسية لأن جسمها لم يستطع تحمله، ما أدى لظهور هذه البقع  والالتهابات الجلدية الشديدة.. البنت حُقنت بجرعات سمية بطيئة كانت موجهة لشخص آخر!”.

سقطت الصحيفة من يدي. كلام الطبيب كان يضرب عقلي كالمطرقة. المادة كانت مخصصة لي أنا! إيهاب كان يرسلها لي ويحرص كل الحرص ألا تلمسها جنى! لم يكن خائفاً على جنى من أن تشاركني العلاج الغالي، بل كان خائفاً أن  غير الهدف المحدد! إيهاب، الزوج الحنون المخلص، كان يرسل لي ء في علبة أنيقة كل أول شهر!

عدت إلى المنزل وأنا أترنح، أجرّ جنى معي وهي لا تفهم شيئاً سوى أنها تتألم. أغلقت الباب بالمفتاح، ودخلت في موجة من البكاء الهستيري. كيف؟ ولماذا؟ ما الذي فعلته له كي يقرر التخلص مني بهذه الطريقة الملتوية الخبيثة؟ ولماذا يظهر كل ذلك الحب والاهتمام أمام الجميع؟

في تمام الساعة الثالثة فجراً، أضاءت شاشة هاتفي. كان المتصل هو إيهاب.

استجمعت قويا المتناثرة، وحاولت أن أضبط نبرة صوتي لتبدو مرعوبة ومصدومة دون أن أظهر له أنني اكتشفت السجل الأسود. فتحت الخط، فجاءني صوته من الطرف الآخر مبحوحاً، مكسوراً، يلهث وكأنه كان يركض لمسافات طويلة.

قال بصوت يرتجف: “سمر.. سمر أنتي معايا؟ جنى عاملة إيه؟ قولي لي إنك بتهزري.. قولي لي إن جنى مأكلتش من العلبة دي!”.

رددت عليه وأنا أصنع البكاء والحيرة: “إيهاب! إنت جرالك إيه؟ أغمى عليك ليه؟ البنت بتموت بين إيديا، وتقول لي بتعالج من الأنيميا! أصلك مركز أوي مع الشوكولاتة ليه؟ التحاليل بتقول إن فيه مادة غريبة في !”.

سكت إيهاب لفترة طويلة، وسُمِع صوت أنفاسه المترددة عبر الهاتف. ثم قال بنبرة متغيرة تماماً، نبرة يكسوها الخوف والارتباك: “سمر.. استمعي إليّ جيداً ولا . أنا قادم إلى مصر في أول طائرة صبيحة الغد. لا تأخذي جنى إلى أي مستشفى عام، ولا تتحدثي مع أي طبيب آخر، ولا تخبري أحداً بما حدث. هناك سر كبير سأخبرك به فور وصولي.. السر الذي جعلني أرسل تلك العلبة بالذات!”.

أغلقت الخط معه، وازدادت شكوكي وتضاربت الأفكار في رأسي. هل هو قادم لينهي ما بدأه؟ أم أنه قادم للتغطية على جريمته بعدما أصابت ابتكاراته السامة ابنته بدلاً مني؟

قضيت الليلة بجانب جنى، أضع الكمادات الباردة على جلدها المشتعل، وأراقب عقارب الساعة وهي تتحرك كأنها دهور. كانت كل ثانية تمر تنزع من قلبي جزءاً من المحبة والاطمئنان اللذين عشتهما معه لسنوات، وتحل محلهما الخدعة والريبة.

في اليوم التالي، وتحديداً في عصر ذلك اليوم، طُرق باب  بدقات متسارعة . وقفت خلف الباب ونظرت من العين السحرية؛ كان إيهاب يقف هناك، وجهه شاحب كالعجين، وعيناه غائرتان في محجريهما، ويحمل حقيبة يد صغيرة فقط دون بقية أمتعته.

فتحت الباب ببطء. دخل بخطوات ثقيلة وهو ينظر إليّ بذهول، ثم اتجه فوراً نحو غرفة جنى. عندما رآها مستلقية على  وبقع الدم المتجمعة تغطي يديها ، انهار على ركبتيه بجانب السرير وبدأ يبكي  لم أرها فيه من قبل، ويمسك بيدها المشتعلة ويقبلها وهو يردد: “سامحيني يا بنتي.. الذنب ذنبي.. أنا السبب!”.

وقفت عند باب الغرفة،  بكاءه بنبرة حادة  : “قم يا إيهاب.. قم واستدر وانظر في عيني. البكاء لن يفيد الآن. الطبيب أخبرني بالمركب الموجود في دمها.. وقال لي إن هذه المادة تم تصنيعها خصيصاً لامرأة بالغة،  ببطء! إيهاب.. إنت كنت بتعلمني ولا كنت ؟!”.

استدار إيهاب ونظر إليّ والدموع تملأ وجهه، وانقبضت ملامحه بألم شديد، ثم وقف واقترب مني بخطوات ، وقال بصوت خفيض جداً كي لا تسمعنا جنى: “سمر.. أنتي فاهمة غلط.. أنا عمري ما فكرت أؤذيكي.. المادة دي فعلاً كانت موجهة ليكي، بس مش عشان .. أنتي مش فاهمة إحنا عايشين في إيه بره، ولا فاهمة مين اللي بيراقبنا ومين اللي بيجبرني على كل حركة بعملها من سنين!”.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى