عام

حكايات زهره الربيع 1

​أنا اتوترت وقلت أقوله الصراحة وخلاص، فرديت بتلعثم: “بصراحة.. اه.. أنا مادوقتهاش خالص يا إيهاب، جنى قالتلي إنها بتحب طعمها، وأنا قلت هي أولى مني هي كمان ضعيفة وتعبانة.. بس يا حبيبي ده دخله إيه باللي بقولهولك؟ إحنا بنحكي في مرض بنتك!”

​ما لحقتش أكمل جملتي، ولا لحقت أبرر له أنا ليه عملت كده.. لقيت عينيه برقت بطريقة مرعبة، وفجأة، الشاشة اتهزت، وسمعت صوت خبطة جامدة على الأرض.. إيهاب أغمى عليه في ساعتها والخط قطع!!!!!!

في نفس اللحظة التي انقطع فيها الخط، شعرت بأن الأرض تميد بي. كانت الشاشة سوداء تماماً، وصوت الخبطة الأخير يتردد في أذني كأنه صاعقة. حاولت الاتصال به مراراً وتكراراً، لكن هاتفه كان يتنقل فوراً إلى البريد الصوتي. يداي كانتا ترتجفان بانهيار، وركبتي لم تعد تحملا جسدي. لم تكن  فقط من إغماء إيهاب، بل من تلك اللحظة الفارقة التي ربط فيها بين الشوكولاتة وبين هذا الجحيم الذي يأكل جسد ابنتنا.

طلعت من الصالة أركض ونظراتي  زوايا البيت، توجهت فوراً إلى غرفة جنى. كانت مستلقية على السرير، تئن بصوت خافت، تتفحص البقع الحمراء التي بدأت تتمدد كأنها شفرات من  جلدها. تساءلت في  نفسي: أيعقل أن يكون زوجي، الرجل الذي غمرنا بالحنان والماديات، هو السبب في هذه ؟ كيف لشوكولاتة تُرسل باسم العلاج والاهتمام أن تكون  يسري في عروق ابنتنا؟

لم أستطع الانتظار. فتحت الخزانة التي أضع فيها بقايا العلب والهدايا التي كانت تصلنا كل أول شهر. جمعت العلبة الصغيرة الذهبية التي كانت تحوي تلك القطعة الملعونة، ورغم أنها كانت فارغة، إلا أن القليل من الغلاف البلاستيكي الداخلي كان لا يزال يحتفظ برائحتها وبقايا دقيقة منها. أخذت العلبة والغلاف، وأمسكت بيد جنى التي كانت تبكي من ألم الحكة والاحتراق، وحملتها فوراً إلى سيارتي.

توجهت إلى أحد أكبر المجمعات الطبية في القاهرة، وتحديداً إلى معامل تحاليل سموم وأنسجة متخصصة، حيث تربطني صلة قرابة ب طبيب يعمل في قسم التحاليل المتقدمة. عندما رآني أطرق بابه في تلك الحالة الهستيرية، أفرد لي مكاناً ودخلنا فوراً. شرحت له الأمر بعيداً عن أطباء الجلدية الذين عجزوا سابقاً، وقلت له بالنص: “أريد تحليل هذه البقايا، وأريد مسحاً شاملاً لدم جنى يتجه نحو المركبات الكيميائية النادرة أو  الموجهة، وليس مجرد صورة دم عادية”.

أخذ الطبيب العينة ونشر الفحوصات العاجلة، بينما جلست على مقعد الانتظار وجنى رأسها على ركبتي تئن وتترجاني أن أوقف هذه النار. مرّت ثلاث ساعات كانت كأنها ثلاث سنوات من الجمر. خرج الطبيب من المعمل ووجهه شاحبٌ ، يحمل في يده تقريراً ممتلئاً بالمصطلحات المعقدة. سحب كرسياً وجلس أمامي وهو ينظر إليّ بذهول وحسرة.

قال بصوت خفيض: “سمر.. ما هذه المادة؟ هذه ليست شوكولاتة ولا يمكن أن تكون دواءً للأنيميا بأي شكل من الأشكال. هذه القطعة معبأة بمركب كيميائي تحويلي مصنع معملياً، يتفاعل مع هرمونات وجينات معينة لدى الإناث فوق سن الثلاثين. إنه مركب بطيء المفعول يُحدث طفرات وتلفاً في الجلدية، ويؤدي على المدى الطويل إلى تآكل بطانة الأوردة وتدمير المناعة الذاتية تدريجياً حتى ينتهي الأمر بأزمة قلبية أو فشل عضوي كامل دون أن يترك أثراً واضحاً في الفحوصات التقليدية!”.

اتسعت حدقتا عيني ونزلت الدموع من عيني كالمطر، سألته بصوت مبحوح: “ولماذا تفعل كل هذا في جسد جنى؟”.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى