
ـ “إزيك يا سعاد؟ شايفاكي خاسّة ومبهدلة.. شكله شغل البيت والتنظيف والتغيير على الجروح أكل صحتك؟”
بلعت ريقي بصعوبة وقلت بصوت واطي:
ـ “حرام عليكِ يا مروة.. أخويا بيموت من الحر والوجع في الشقة، وما فيش في جيبنا جنيه نجيب بيه دوا ولا أكل. أنتِ أخدتي كل حاجة.. ارحمينا لوجه الله!”
مروة قربت مني خطوة، ووطت على ودني وقالت بنبرة حادة زي المشرط:
ـ “ارحمكم؟ هو أنتم رحتموني لما كنت بمسح بيوت الناس عشان أأكل أخوكِ وهو يقولي ‘أنا قاعد على القهوة’ وهو بيفرش الفيلا لغيري؟ هو أنتِ رحتميني لما كنتِ تديني الـ ١٥٠ جنيه وتذليني وتشرطي عليا أخدمك ببلاش؟ أنا مش بظلمكم يا سعاد.. أنا بطبق العدل الإلهي اللي أنتم نسيتوه.”
المحامي طلع ملف كبير وقال:
ـ “يا مدام مروة، الأوراق جاهزة للتوقيع. الشقة القديمة اللي قاعد فيها فالح وسعاد، التئول ملكيتها رسمياً لابنك أحمد بصفته الوريث الشرعي، وتم إتقرار حظر البيع عليها. والنهارده الشقة بقت باسم أحمد رسمياً.”
بصيت لمروة بذهول وقلت:
ـ “يعني إيه؟ يعني هتطردينا من الشقة؟ هنروح فين في الشارع؟”
مروة ابتسمت ابتسامة خفيفة، وطلعت من شنطتها الفخمة ظزف أبيض حشو، ومدت إيدها بيه ليا:
ـ “أنا مش زيك يا سعاد.. مش هرميكم في الشارع. الظرف ده فيه ألفين جنيه.. دول مني ليكي، عشان تسددي ديون الصيدلية وتجيبي دوا وأكل لأخوكِ للأسبوع ده.”
مسكت الظرف بإيد بترتعش، ودموعي نزلت على إيدي. كنت حاسة بإهانة وذل عمري ما جربتهم في حياتي. أنا سعاد، اللي كنت بتعالى عليها وأرميلها الفكة، بقيت أقف أستجدى منها الألفين جنيه عشان أأكل أخويا!
كملت مروة كلامها بصرامة:
ـ “بس الألفين جنيه دول مش ببلاش يا سعاد.. ده أجر شغلك. من النهاردة، أنتِ هتبقي المسؤولة الرسمية عن رعاية فالح وعن نظافة الشقة اللي بقت ملك لابني. كل شهر هبعتلك المبلغ ده عشان تصرفي منه على أكلكم ودوا أخوكِ، وفي مقابل ده.. تفضلي خدامة تحت رجليه، تنظفي تحته، وتغيري على جروحه، وما تطلعيش برة الشقة دي غير بإذني! ولو فكرتي تشتكي أو ترفعي قضية.. هطردكم فوراً وأرميكم في الشارع بالورق والقانون!”
أنا بقيت أبص للظرف وأبص لمروة. كنت بين نارين: إما أقبل بالعبودية والذل وأعيش خدامة لمروة وبفلوسها عشان أأكل أخويا الأعمى، أو أرفض وأترمي في الشارع أنا وهو نلتقط اللقمة من الزبالة.
طأطأت رأسي للرض، وخبيت الظرف في جيبي، وقلت بصوت ميت بصعوبة:
ـ “مواقفة يا مروة.. اللي تشوفيه.”
مروة وقّعت على الأوراق مع المحامي، وبصتلي المرة الأخيرة وقالت:
ـ “شاطرة يا سعاد.. كده تفهمي الأصول. يلا ارجعي شقتك.. أخوكِ زمانه بيصرخ من العطش والحر، والبيت عايز يتنظف.”
سابني ومشت، وركبت عربيتها الفخمة مع المحامي وانطلقوا. أنا رجعت وأنا حاسة إن روحي اتسحبت مني بالكامل.
أول ما فتحت باب الشقة، لقيت فالح واقع قدام الباب، وشه مليان تراب ودموع، وبيحاول يزحف برة من كتر الخوف والوحدة. أول ما سمع صوت الباب، رفع رأسه الأعمى وقال بصرخة لهفة:
ـ “سعاد! جيتي يا سعاد؟ جبتي معاكي دوا؟ جبتي أكل؟ قوليلي مروة قالت إيه؟”
قعدت على الأرض جنبه، ومسكت إيده المشتعلة بالنار، وطلعت الألفين جنيه من جيبي وبصيتلهم بكسرة.
قلتله بصوت فاضي تماماً من أي رحمة أو أمل:
ـ “جبت فلوس الدوا والأكل يا فالح.. مروة بعتتهملنا.. بعتتهم أجر ليا.. عشان أفضل أخدمك وأغيرلك على القرف ده طول ما إحنا عايشين.”
فالح حط وشه في الأرض وبدأ يبكي بصوت مكتوم ومرير، وأنا قمت ببطء، جابت الجردل والممسحة والكلور، وبدأت أمسح البلاط تحت رجليه في الضلمة، وأنا عارفة إن السلسلة دي مش هتخلص، وإن العقاب اللي بدأ بليلة الفيلا.. ممتد معانا لكل لحظة بنتنفس فيها



