
ـ مريم.. أرجوكي اسمعيني. أنا عارف إني أخطأت في حقك، وعارف إن اللي عملته ما يتردش.. بس بلاش تدمريني بالشكل ده. النيابة طالبت بالتحفظ على الشقة وعلى حساباتي البنكية كلها. نورهان وأهلها سابوني ورفعوا عليا قضايا عشان أورطتهم مع مجلس الإدارة.. مابقاش ليا أي حد ولا أي حاجة!
استمعتُ إلى كلماته بهدوء تام، لم يتحرك في صدري أي انفعال. كان ينصت لشفير الهاوية التي صنعها بيده.
-
سلفتى حكايات رومانى مكرم 3منذ 15 دقيقة
-
سلفتى حكايات رومانى مكرم 2منذ 20 دقيقة
-
سلفتى حكايات رومانى مكرم 1منذ 22 دقيقة
-
حكايات نور محمدمنذ 49 دقيقة
رددتُ عليه بنبرة حازمة وباردة:
ـ شريف.. لما كنت في الإسكندرية واقفة جنب خالتي في آخر أيامها، ولما استغليت غيابي عشان ترمي هدومي وتبعتلي طلاقي في ميل، ما فكرتش لحظة واحدة في كرامتي أو في السنين اللي وقفت فيها ضهر ليك. لما مشيت بين الناس تقول إنك صنعتني وإن وجودي كان مجرد عبء عليك، كنت أنت اللي بتختار طريقك. أنا ما دمرتكش يا شريف.. أنا بس رفعت الستارة وسيبت الناس تشوف حقيقتك من غير المكياج اللي أنا كنت بجمّلك بيه.
حاول أن يقاطعني بصوت خنقته العبرات:
ـ مريم.. عشان خاطر أي ذكرى حلوة كانت بيننا، تنازلي عن المحضر بتاع النيابة المالية، وأنا مستعد أكتبلك تنازل عن كل حاجة، الشقة والمستحقات، وأخرج من البلد خالص!
ابتسمتُ بمرارة وقلت:
ـ الذكريات الحلوة أنت مسحتها لما خليت رجال الأمن يمسكوا إيدي قدام المئات ويحاولوا يرموني بره المكان اللي أنا أصلاً بملكه. الشقة والمستحقات المحكمة هي اللي هترجعها بالقانون، مش بتنازل منك. والورق اللي في النيابة دلوقتي مش ملكي لوحدي.. ده حق المئات من المساهمين اللي أنت كنت هتضيع شقا عمرهم عشان ترضي غرورك.
أغلقتُ الخط دون أن أنتظر منه رداً، وأغلقت الهاتف تماماً.
في اليوم التالي، عُقد اجتماع مجلس الإدارة الطارئ لإعادة هيكلة قطاع الاستثمار. قمتُ بتقديم المخطط الاستراتيجي الجديد لشركة “النخبة”، المخطط الذي صحح كل الأخطاء الكارثية التي تسبب فيها شريف، ووضع الشركة على مسار استثماري آمن ومربح. صفق الجميع في نهاية العرض بحرارة شديدة، ووقف الأستاذ فاروق الدمنهوري ليعلن رسمياً تعييني كرئيس لقطاع الاستثمار والمخاطر، إلى جانب حصتي كشريك أساسي.
وقبل أن أخرج من مقر الشركة في ذلك اليوم، وقفتُ أمام النافذة الزجاجية الضخمة التي تطل على المدينة. رأيت سيارة الشرطة تقف عند المدخل السفلي لنقل شريف إلى جلسة التحقيق الرسمية بعد صدور أمر الضبط والإحضار النهائي.
كانت اللحظة فارقة؛ ليس لأنني شاهدت ظالماً ينال عقابه، بل لأنني أدركت أخيراً أن الصبر على الظلم ليس استسلاماً، وأن استرجاع الحقوق عندما يأتي بالعقل والكرامة يكون أشد قوة وأبقى أثراً. أغلقتُ ملف القضية على مكتبي، واستعددتُ لكتابة الفصل الأخير من هذه الرحلة.. فصل لا مكان فيه للماضي، بل للنجاح الخالص الذي صُنع بإرادتي وحدي.
مرت ستة أشهر على ذلك اليوم الذي انقلبت فيه الموازين داخل قاعة “النخبة”. ستة أشهر كانت كفيلة بأن يعود كل شيء إلى نصابه الطبيعي، وأن تُمحى الآثار التي خلفها الغرور والزيف، ليحل محلها العدل والنجاح الحقيقي.
في القاعة التأديبية لمحكمة الجنايات الاقتصادية، صدر الحكم النهائي بحق شريف منصور بالسجن المشدد لمدة خمس سنوات، مع إلزامه برد جميع الأموال المستولى عليها وغرامة مالية ضخمة تسببت في إفلاسه التام. أما نورهان عادل وعائلتها، فقد واجهوا أحكاماً بإغلاق شركتهم وتجميد أصولهم بعد ثبوت تورطهم في قضايا فساد وتسهيل الاستيلاء على المال العام. لقد تبخرت نورهان من حياة شريف في اللحظة الأولى التي أدركت فيها أنه لم يعد يملك شيئاً، ليدرك هو في محبسه أن الشخص الوحيد الذي أخلص له وسانده بصدق كان هو الشخص نفسه الذي اختار أن يغدر به ويستعين عليه بالأمن.
على الجانب الآخر، كانت شركة “النخبة للتطوير والاستثمار” تشهد مرحلة جديدة تماماً. تحت قيادتي لقطاع الاستثمار والمخاطر، حققت الشركة أرباحاً قياسية غير مسبوقة خلال النصف الأول من العام، ونجحنا في توسيع نطاق مشاريعنا لتصل إلى الأسواق الإقليمية. أصبحت صوري وتقاريري المالية تتصدر غلاف المجلات الاقتصادية المرموقة، لا بصفتي “زوجة رجل ناجح” كما كان يردد شريف، بل بصفتي العقل المدبر والمهندسة الحقيقية لكبرى الصفقات الاستثمارية في المنطقة.
في مساء يوم دافئ، أُقيم حفل سنوي جديد لشركة “النخبة” في القاعة نفسها. كانت الثريات الكريستالية الضخمة تتألق بالنور ذاته، والموسيقى الهادئة تنساب بين الحضور من كبار المستثمرين ورجال الأعمال.
كنت أقف في منتصف القاعة برداء أنيق يحمل ثقة السنين، وحولي عدد من أعضاء مجلس الإدارة ورؤساء الشركات العالمية يتناقشون معي في تفاصيل الاستحواذ الجديد. اقترب مني الأستاذ فاروق الدمنهوري، مبتسماً وهو يرفع كأسه في تحية تقدير:
ـ دكتورة مريم.. لما شفتك من سنة طالعة من الباب ده وهدوءك ثابت، عرفت إن المكان ده مش بس بيكبر بيكي، ده المكان اتخلق عشان يديروا ناس بعقليتك وكرامتك.
ابتسمتُ بامتنان صادق وقلت:
ـ المكان بيكبر بالعدل والعمل الحقيقي يا أستاذ فاروق.. والدرس اللي اتعلمته إن الحق عمره ما بيضيع طالما صاحبه عارف قيمته وما بيتنازلش عنها.
تطلعتُ نحو الممر الرخامي الممتد حتى باب القاعة الرئيسي. تذكرتُ اللحظة التي حاولوا فيها إخراجي بصغار، وكيف تحول ذلك الممر إلى مدرج لصعودي نحو قمة نجاحي. لم أعد أشعر بأي مرارة أو غضب تجاه الماضي؛ فقد انقضت ديونه بالكامل، ولم يعد لشريف أو غيره أي وجود في عالمي.
عدّلتُ وقفتي، واستدرتُ بظهري للباب، لأكمل حديثي مع الحاضرين حول المستقبل.. المستقبل الذي صنعته بفكري، وصبري، وإرادتي الصلبة التي لا تُكسر.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”








