روايات وقصص

أول حاجة عملها جوزي2

ـ بس شريف نسي حاجة مهمة جداً.. نسي إن الملفات اللي نقلها من الشقة بعد ما استولى عليها، كانت مجرد “مسودات أولية” أنا سيبتهالك عن عمد، عشان كنت عارفة إن طمعك هيخليك تاخدها وتنسبها لنفسك من غير ما تراجع التفاصيل الدقيقة اللي جواها.

بدأت أوراق الملف بين يدي تتحرك، وأخرجتُ منها وثيقة ذات ختم رسمي متألق تحت الأضواء.

مقالات ذات صلة

تابعْتُ حديثي:

ـ في المسودة دي، كان فيه ثغرة محاسبية في تقييم أراضي مشروع “الربوة”، ثغرة لو اتطبقت على أرض الواقع كانت هتسبب لشركة النخبة خسارة تتجاوز 400 مليون جنيه، وهتعرّض الشركة للمساءلة القانونية بتهمة التلاعب في أصول المساهمين. شريف أخد المسودة، وبصمته عليها، وقدمها لمجلس الإدارة بصفته “صاحب الرؤية العبقرية”.. وهو حتى ما كلفش نفسه يفحص ارقامها!

تغير لون وجه شريف من الشحوب إلى السواد. بدأ العرق يتصبب من جبهته رغم التكييف القوي في القاعة. حاول أن يتكلم، لكن لسانه خانة، فنظر إلى نورهان وكأنه يستغيث بها، لكن نورهان كانت قد تراجعت خطوة إلى الخلف، مبتعدة عنه وكأن مرضاً أعداه أصاب المكان.

اقترب أحد أعضاء مجلس الإدارة، وهو الأستاذ عادل الشاذلي، وقال بفضول واضطراب:

ـ دكتورة مريم.. حضرتك بتقولي كلام خطير جداً، صفقة العاصمة ومشروع الربوة هما العمود الفقري لخطة الشركة للسنة الجديدة!

تطلعتُ إليه بثقة وقلت:

ـ وأنا هنا الليلة مش عشان أرمي اتهامات مرسلة يا أستاذ عادل. أنا هنا بصفتي الشريك المالي الجديد والمستشار الأول لمجموعة “الدمنهوري القابضة”، اللي استحوذت النهارجة الساعة 4 العصر على 35% من أسهم شركة النخبة للتطوير والاستثمار!

ساد القاعة صمت مطبق. سقطت كاس نورهان من يدها لينكسر على الأرضية الرخامية، وتتناثر قطرات العصير الأحمر على حافة فستانها اللامع، لكن أحداً لم يلتفت إليها. كل العيون كانت معلقة بي وبشريف الذي انهار جدار كبريائه في ثوانٍ معدودة.

أكملتُ وأنا أستخرج من الحقيبة مستنداً آخر:

ـ مش بس كده.. الملف اللي معايا ده مش بس بيثبت السرقة العلمية والمهنية اللي قام بيها شريف منصور، الملف ده بيحتوي على كشف حسابات سرية، ووساطات غير قانونية قام بيها شريف مع شركة “أورورا” للمقاولات.. الشركة اللي بتملكها عائلة الأنسة نورهان عادل!

صدمة أخرى زلزلت المكان. انطلقت الصرخات الخفيفة والهمهمات الغاضبة بين المستثمرين رجال الأعمال الحاضرين. كانت شركة “أورورا” معروفة بسجلها المالي المشبوه، وكان دخولها كبراس مال في مشاريع النخبة أمراً محظوراً بقرار رئيس مجلس الإدارة نفسه.

شريف، بملامحه المتشنجة، صرخ فجأة محاولاً الهجوم عليّ لفظياً:

ـ أنتِ كذابة! دي تمثيلية متفق عليها! أنتِ جاية تنتقمي مني عشان سبتك! عشان ما بقتش عايزك! أنتِ واحدة حاقدة ومريضة!

لكن قبل أن يكمل جملته، خطى الأستاذ فاروق الدمنهوري خطوة حازمة ونظر إلى رئيس أمن القاعة، وقال بنبرة صارمة لا تقبل النقاش:

ـ الأمن اللي كان ماسك الدكتورة مريم من شوية.. يجي هنا فوراً.

تقدم رجل الأمن بوجل وتردد. اشار فاروق يده نحو شريف ونورهان وقال:

ـ الأستاذ شريف منصور والآنسة نورهان عادل مالهمش أي صفة في القاعة دي من اللحظة دي. يتفضلوا يتفضلوا بره الحفلة فوراً.. ويا ريت تسلموا الشارة المهنية والمفاتيح الخاصة بمكتب شريف لحرس البوابة قبل ما يخرجوا.

دارت الدوائر بنفس السرعة التي لم يتوقعها أحد. نفس رجال الأمن الذين حاولوا إخراجي بصغار قبل دقائق، يقفون الآن بجانب شريف ونورهان.

نظر شريف إليّ بعينين تتوسلان، وتلاقت نظراتنا. لم أجد في نفسي شفقة، ولا شفاء غليل بالمعنى الرخيص، بل وجدتُ راحة النصر الذي جاء بحق وعدل. أردتُ أن أثبت له ولكل من صدق روايته، أن المرأة التي تختار الصمت عندما تُظلم، لا تفعل ذلك ضعفاً ولا قلة حيلة، بل تنظر للزاوية البعيدة.. تنتظر اللحظة التي يكتمل فيها فخ الغرور الذي يحفره الظالم بنفسه.

همستُ بنبرة لم يسمعها سواه وهو يُمشى به بجانبي نحو الخروج:

ـ المنظر ده محرج يا شريف.. كان المفروض تفضل بعيد.

تصلب جسده عندما سمع كلماته ذاتها تُردد في أذنه كصدى صاعق. نورهان كانت تبكي بهستيريا وهي تحاول تغطية وجهها عن عدسات المصورين الصحفيين الذين بدأوا يلتقطون الصور بكثافة بعد أن أدركوا حجم الكارثة والسبق الصحفي الذي يحدث أمامهم.

خرج شريف ونورهان يُجرّان أذيال الخيبة والفضيعة وسط ممر من صمت واستحكام الحضور، بينما التفتُّ أنا نحو مجلس الإدارة والحاضرين، وفتحت أوراق المشروع الحقيقي الذي سيعيد بناء هذه الشركة على أسس صحيحة ونظيفة.

المعركة لم تنتهِ بإخراجهم من القاعة، بل كانت هذه هي الضربة الأولى فقط.. فالملف الذي ما زال في شنطتي لم يفتح كاملاً بعد، وما يحويه عن الشيكات المؤجلة والتلاعب البنكي سيتكفل بالباقي أمام النيابة العامة في صباح اليوم التالي.

خرج شريف ونورهان من القاعة تحت وطأة نظرات الاحتقار وومضات كاميرات الصحفيين التي تسارعت لالتقاط اللحظة الحتمية لسقوط الرجل الذي بنى إمبراطوريته الزجاجية على حساب كرامتي وجهدي. لم تكن هذه سوى البداية؛ فالأحداث التي تلت تلك الليلة كانت أشبه بسيل جارف لم يستطع أي منهما الوقوف في وجهه.

في صباح اليوم التالي، وتحديداً في تمام الساعة التاسعة صباحاً، كنتُ أجلس في مكتب الرئاسة التنفيذية بشركة “النخبة للتطوير والاستثمار”، إلى جوار الأستاذ فاروق الدمنهوري وأعضاء الشؤون القانونية. أجهزة الكمبيوتر الخاصة بشريف كانت قد حُفظت بالكامل تحت التحفظ القضائي، وبدأت أفرز مع الفريق القانوني كل وثيقة وكل معاملة مالية قام بها خلال الستة أشهر الماضية.

كشفت التحقيقات الأولية أن شريف لم يكتفِ بنسب أبحاثي وتطويراتي المالية لنفسه، بل قام بتسريب بيانات مناقصات حيوية لشركة “أورورا” المملوكة لعائلة نورهان، مقابل نسب وأسهم غير مباشرة تم تسجيلها بأسماء وهمية خارج البلاد. كان يظن أن تحويل الأموال عبر حسابات وسيطة سيعصمه من الكشف، لكنه جهل أن التتبع المالي المتقدم كان تخصصي الدقيق الذي قضيتُ سنوات أدرّسه وأمارسه.

بحلول الظهيرة، كانت أخبار التحفظ على أموال شريف منصور ومنعه من السفر قد تصدرت المواقع الإخبارية والصفحات الاقتصادية. الرسالة الإلكترونية التي أنهى بها زواجنا ببرود قبل ستة أشهر، عادت لتطارده؛ ولكن هذه المرة في صورة بلاغات رسمية للنيابة العامة بتهم اختلاس أموال المساهمين والإضرار المباشر بالاقتصاد المؤسسي للشركة.

في مساء اليوم نفسه، وردني اتصال هاتفي من رقم غير مسجل. عندما أجبت، جاءني صوت شريف المكسور، الخالي تماماً من تلك النبرة العالية والمتعالية التي واجهني بها في القاعة. كان صوته يرتجف، يحمل مزيجاً من التوسل والانهيار الشديد.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى