منوعات

حكايات زهره الربيع 2

وقفت بثبات وقلت للجميع: “أنا مش هرجع الشقة دي تاني يا محمود. لو أنت فعلا عايزني وعايز ابنك، وفر لنا مسكن حضانة مستقل بعيد عن بيت العيلة خالص، مسكن مكتوبة باسمك أنت بعقد رسمي، وتدفع نفقة الولد اللي سايبه بقالك أسبوعين ما تسألش عنه بقرش.”

هنا تغير وجه محمود في لحظة،  ماسك الانكسار والندم ليحل محله الغضب الحقيقي. وقف وصرخ بصوت هز أركان الصالة: “مسكن مستقل؟! أنتِ فاكرة نفسك مين؟! أنا مش هطلع بره بيت عيلة أبويا، والشقة دي هي اللي حيلتي! طالما دخلتي فيها سكة قضية وقائمة، يبقى ما لكيش عندي غير المحاكم! وأقسم بالله لا أجعلك تتمني القرش وما تلاقيهوش، والولد ده مش هتشوفي منه مليم واحد نفقة، وهسيبك معلقة زي المطلقة ولا منك متجوزة ولا منك مطلقة!”

مقالات ذات صلة

خرج محمود يجر أذيال الخيبة والغضب، وخرج معه الأجاويد بعد أن أدركوا أن الموضوع ليس مجرد خلاف بسيط بل استهانة بكرامة أصلية.

بعد هذا الموقف بأربعة أيام، وصلتني أول ضربة انتقامية منهم. أرسل محمود إشعاراً رسمياً عن طريق المحكمة يدعوني فيه لـ “بيت الطاعة” في نفس الشقة بالدور الثاني ببيت العيلة!

ذهبت فوراً للمحامي، وابتسم فور رؤيته للإعلان وقال: “ممتاز.. هذا التصرف متوقع من زوج يحاول  من النفقة وتثبيت موقف صوريا. سنقدم اعتراضاً رسمياً على بيت الطاعة خلال المدة القانونية (ثلاثون يوماً)، وأسباب الاعتراض متوفرة بكثرة: عدم أمانة الزوج على النفس والمال، وحيرة المسكن المشترك مع الأقارب الذين يعتدون على خصوصيتك، ووجود محضر إثبات حالة رسمي بوجود أغراب واستباحة المنقولات.”

لم تتوقف حربهم عند هذا الحد. بدأت حماتي في ترويج شائعات مغرضة في المنطقة وفي محيط أقاربنا، تدعي فيها أنني سرقت ذهبي وخرجت من البيت بدون إذن، وأنني أنا التي طردت أخو محمود ومراته من بيتهم! كانت الاتصالات تنهال على أمي من المعارف، بعضهم يعاتب وبعضهم يستفسر، ولكن أمي كانت ترد بكل ثبات وتوضح الحقيقة كاملة دون خوف أو خجل.

وفي يوم جلسة الاعتراض الأولى على بيت الطاعة، حضرت إلى المحكمة. كانت المرة الأولى التي أقف فيها داخل أروقة محكمة الأسرة. وقفت بين العشرات من النساء اللاتي يعانين من القهر والاستبداد، وعرفت حينها أنني لست وحدي، وأن السكوت عن الحق هو بداية الضياع.

حضر محمود مع محاميه. كان يحاول تجنب النظر في عيني. وعندما وقفنا أمام القاضي، بدأ محاميه يتكلم بنبرة ادعاء: “يا سيادة القاضي، موكلي وفر مسكن زوجية شرعي ومستقل، والزوجة خرجت بدون إذن وتستغل الطفل للضغط عليه مادتيا.”

طلب محاميّ الكلمة، وقدم للمحكمة ملفا متكاملا يحتوي على:

* صورة رسمية من محضر إثبات الحالة بالشرطة الذي يثبت وجود أخ الزوج وزوجته داخل  واستغلالهم للمنقولات والملابس الخاصة.

* تسريبات صوتية ورسائل مدونة يهدد فيها محمود بمنعي من النفقة وترك  لأخيه.

* عقد العقار المقيد باسم أخيه، مما يثبت أن المسكن ليس ملكا للزوج ولا حيازة مستقرة له، بل هو عرضة للطرد في أي لحظة.

القاضي نظر في الأوراق بتمعن، ثم نظر إلى محمود وقال بنبرة حازمة: “هل الشقة مسجلة باسم أخيك فعلاً يا محمود؟”

تلعثم محمود وقال: “هي.. هي باسمه يا سيادة القاضي بس أنا ساكن فيها بصفة دائمة..”

قاطعه القاضي بصرامة: “المسكن الشرعي يجب أن يكون آظنا للزوجة، خالية من النزاعات وحقوق الغير، ومستقلا عن الأقارب الذين بينها وبينهم خصومة مثبتة بمحاضر رسمية.”

تأجلت الجلسة للنطق بالحديث في الاعتراض، وخرجنا من القاعة. في الممر الخارجي، وقف محمود أمامي، وكان الحقد يشتعل في عينيه. قرب مني وقال بصوت خفيض ملغوم بالشر: ” فاكرة نفسك كسبتي؟ المحاكم طويلة يا نهى.. وهتقعدي سنين تلفي ورايا عشان تاخدي نفقة ولا تاخدي منقولاتك، وأنا مش هسيبك تهني بريال واحد.”

طلعت من المحكمة وأنا حاسة إن خطوتي أقتت وأقوى. التهديدات اللي كانت بتخوفني زمان، بقت بالنسبة لي مجرد هواء. الحرب ما انتهتش، والضربات اللي جاية هتبقى أشد، بس أنا بقيت جدار صلب.. مش هينكسر.

الجزء الخامس

خرجت من باب المحكمة وأنا أشعر أن الخوف الذي سكنني لسنوات قد تلاشى وحلّت محله قوة جديدة. كلام محمود وتهديده بـ “جرجرة المحاكم” لم يزدني إلا إصراراً. عدت مع أمي إلى البيت، وأنا أعلم أن المعركة انتقلت إلى مرحلة النفس الطويل، وأن أهله لن يتركوا باباً للضغط إلا وسيسلكوه.

بعد أسبوع واحد من جلسة الاعتراض على بيت الطاعة، صدر الحكم الصادم بالنسبة لمحمود وأهله؛ قضت المحكمة بـ قبول الاعتراض شكلاً وموضوعاً، وإسقاط دعوى بيت الطاعة، مع عدم اعتبار نهى ناشزاً، وألزمت الزوج بتقديم مسكن حضانة مستقل وآمن للطفل وأمه.

كان هذا الحكم بمثابة القشة التي قصمت ظهر محمود. لم يعد أمامه مفر قانوني يتهرب به من النفقة أو يوهم به الناس أنه يرغب في الصلح. وفي الأسبوع نفسه، وردتنا المحضر الرسمية بقرار المحكمة الصادر في دعوى نفقة الصغير؛ حيث أُلزم محمود بدفع نفقة شهريّة ومبلغ للمأكل والملبس، وإلا واجه  لعدم السداد.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى