منوعات

حكايات زهره الربيع 2

تدهورت حالة بيت العيلة أمام المنطقة؛ فالناس عرفت بالحكم، والشائعات التي روجتها حماتي انقلبت عليها، خاصة بعد أن شوهد أخو محمود وزوجته وهما يغادران البيت نهائياً بعد  الشديدة التي نشبت بين الأخوين. محمود حمل أخاه مسؤولية خراب بيته والفضائح التي طالته، وأخوه  بالضعف وعدم القدرة على إدارة بيته.

في مساء يوم أربعاء، جائتنا المفاجأة الكبرى. أرسل محمود خاله—وهو رجل مسن ويحظى باحترام الجميع—ليطلب المقابلة في بيت أمي بدون حضور محمود أو حماتي.

مقالات ذات صلة

دخل الخال وجلس وهو يكسوه الخجل، وقال بصوت هادئ: “يا أم نهى.. أنا جاي أصلح غلطة ابن اختي. محمود اتعمى، والبيت اتخرب بسبب كلام أمه وتدخلات أخوه. الشاب أدرك إنه خسر كل حاجة؛ خسر مراته الأصيلة، وسمعته، حتى أخوه اختلف معاه وساب البيت ومشي. محمود مستعد يطلق بالمعروف، ويسلّم المنقولات كاملة بدون قضية تبديد، ويدفع نفقة الولد وزيادة، بشرط تتنازلوا عن القضايا وتنهوا المسألة بالستر.”

نظرت إلى أمي، ثم التفتُّ إلى الخال وقلت بثبات: “أنا مش طالبة غير حقي وحق ابني يا حاج. الطلاق والمنقولات كاملة بحالتها التي دخلت بها، وتعهّد رسمي بعدم التعرض لي أو لابني، وكفالة نفقة الصغير شهرياً بدون تسويف. لو وافق على الشروط دي، أنا مستعدة أنهي كل القضايا فوراً.”

تم الاتفاق. وفي اليوم التالي، كانت المأساة تنتهي رسمياً في مكتب المأذون.

حضر محمود، وكان أصفر الوجه، ذابلاً، تنظر عيناه إلى الأرض خجلاً. وقع على أوراق الطلاق، وسلم القائمة كاملة بحضور المحامي وأمين الشرطة للتحقق من عدم تلف أي قطعة أثاث أو ملابس. وعندما جرى تسليم شاحنة المنقولات أمام بيت العيلة، كانت حماتي تقف خلف الباب تبكي بمرارة بعد أن أدركت أن جشعها وقسوتها أفقدا ابنها بيته وزوجته وسمعته بين الناس.

وقفتُ أمام المأذون وأنا أسمع كلمة: “أنتِ الآن طالق يا نهى.”

لم أبكِ، ولم أشعر بالكسرة. شعرت أن غشاوة ثقيلة أُزيحت عن قلبي وعيني.

الجزء السادس والأخير

مرت ستة أشهر على ذلك اليوم الذي أغلقت فيه صفحة محمود وبيت العيلة إلى الأبد.

في البداية، لم تكن الأيام سهلة؛ فتربية طفل بمفردي والبدء من الصفر يحتاج إلى جهد وصبر، لكن طعم الحرية والكرامة كان يعوض كل تعب. وبدعم أمي وتشجيعها، قررت أن أستغل شهادتي الجامعة وأبدأ البحث عن عمل.

بالفعل، عملت في إدارة الحسابات بإحدى الشركات القريبة من بيتنا، وأصبحت صانعة قراري ومسؤولة عن حياتي وحياة طفلي الصغير. ابن ينمو أمامي في بيئة صحية، بعيداً عن الصراعات والاهانات والتحكمات.

أما عن محمود وأهله، فقد وصلتنا أخبارهم عبر المعارف؛ الشقة بالدور الثاني ظلت مغلقة ومفروشة بفضائها بعد أن سُحبت منها كل المنقولات. محمود يعيش في انكسار دائم، يسدد النفقة الشهرية في موعدها خشية أحكام الحبس، وحماتي أصبحت تعيش لوحدها بعد أن سافر ابنها الأكبر وزوجته ولم يعد يزورها أحد.

في يوم دافئ، كنت أجلس في صالة بيتنا، وابني يركض أمامي بضحكاته العالية التي تملأ المكان دفئاً. مسكت إيده وصورت ابتسامته، وقولت لنفسي: “الحمد لله الذي أخرجني من الظلمات إلى النور.”

علمتني تلك التجربة أن الكرامة ليست رفاهية يمكن التنازل عنها من أجل مسكن أو استقرار زائف. فالبيت ليس جدراناً وأثاثاً، بل بيت يملؤه الأمان والاحتواء والكرامة. ومن يفرط في حقه مرة، يُفرض عليه الهوان طوال عمره.

رفعت رأسي إلى السماء، وأنا أستقبل غداً جديداً بقلب قوي، وحياة ملكي أنا وابني فقط.. حياة لا يسودها إلا الاحترام، والحرية، والراحة التي حرمت منها لسنوات.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى