
الأم أول ما شافت شيماء بتنهار قدامها، قلبها اتقبض. نزلت لمستواها بسرعة، ورفعتها من الأرض وهي بتقول بصوت مرتجف:
ـ مالك يا بنتي؟! مين عمل فيكي كده؟! قوليلي بس وأنا هفهم كل حاجة!
شيماء فضلت ساكتة، والدموع نازلة من عينيها، كأنها أخيرًا لقت المكان اللي تقدر فيه تبكي من غير ما تخاف.
الأم بصت لجسمها المرهق، وبعدين رفعت عينيها ناحية الصالة.
هناك كانت شمس قاعدة بمنتهى الهدوء، ماسكة كوب مشروب وبتبص للمشهد وكأن اللي بيحصل ما يخصهاش.
الأم وقفت ببطء، ونظرتها اتغيرت تمامًا.
ـ إنتِ مين؟
شمس ردت بثقة:
ـ أنا شمس، مرات حسام.
الأم بصت لها من فوق لتحت، وبعدين رجعت بصت لشيماء.
ـ مرات حسام؟!
سكتت لحظة، وكأنها بتحاول تستوعب اللي شايفاه.
ـ وإيه اللي يخلي شيماء تبقى بالشكل ده وإنتِ قاعدة مرتاحة؟
شمس ابتسمت ابتسامة باردة وقالت:
ـ دي ظروف البيت يا طنط. شيماء بتحب تساعد، وأنا مش مجبورّة أعمل كل حاجة بنفسي.
الأم ردت فورًا:
ـ تساعد؟! دي بنتي اللي دخلت البيت ده مكرمة، مش جاية تشتغل عند حد!
شمس قامت وقالت:
ـ لو سمحتي يا طنط، متكبريش الموضوع. إحنا متجوزين، وأنا وحسام متفقين على كل حاجة.
الأم قربت منها وقالت:
ـ حسام متفق معاكي إنك تسيبي شيماء بالشكل ده؟!
شمس سكتت.
الأم بصت حواليها، ولاحظت إن البيت كله مرتب ومجهز، بينما شيماء واقفة بملابس بسيطة، ووشها مرهق، وإيديها واضحة .
قالت الأم بصوت حازم:
ـ أنا ربيت شيماء سنين، وعارفة كويس شكلها لما تكون بخير. إنتِ وحسام مخبيين عني حاجة.
شيماء حاولت تمسك إيدها وتقول:
ـ معلش يا ماما.. خلينا نمشي.
الأم بصت لها بحنان:
ـ نمشي؟ طبعًا هنمشي، بس مش قبل ما أعرف الحقيقة.
في اللحظة دي، سُمعت أصوات مفاتيح عند الباب.
حسام رجع من مشواره.
فتح الباب، وأول ما دخل وشاف أمه واقفة في الصالة وشيماء جنبها، اتجمد مكانه.
ـ أمي؟!
الأم بصت له، لكن المرة دي ما كانش في عينيها أي ترحيب.
قالت بهدوء شديد:
ـ أيوه يا حسام. أمك جت تشوف بنفسها البيت اللي كنت بتقولي إنها عايشة فيه مبسوطة.
حسام بدأ يتوتر:
ـ أنا مش فاهم…
قاطعته:
ـ وأنا فهمت.
بصت لشيماء وقالت:
ـ البنت دي بقالها أسبوع مش بتكلمني، وإنت قلتلي تليفونها اتعطل وإنها خرجت تشتري حاجات.
وبعدين أشارت للمطبخ:
ـ لكن واضح إنها كانت مشغولة بحاجات تانية تمامًا.
حسام حاول يبرر:
ـ يا أمي الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة…
قالت بحسم:
ـ يبقى فهمني.
حسام سكت.
الأم قربت منه خطوة وقالت:
ـ ليه كذبت عليا؟
ـ أنا…
ـ وليه خليتني أفتكر إن شيماء بخير وهي كانت محتاجة حد يقف جنبها؟
شمس تدخلت وقالت:
ـ يا طنط، حسام ما عملش حاجة. شيماء كانت موافقة على كل ده.
الأم التفتت لها:
ـ وإنتِ مالك؟ أنا بسأل ابني.
شمس سكتت.
الأم رجعت لحسام وقالت:
ـ أنا مش جاية أفرض عليكو تعيشوا إزاي. لكن في حاجة واحدة مستحيل أقبلها: إن إنسانة ربيتها بإيدي تتحول لشخص بلا قيمة في بيت كانت فاكرة إنه بيتها.
حسام بدأ يخفض عينيه.
قالت الأم:
ـ فاكر يوم ما قلتلك إن شيماء ملهاش ذنب في اللي حصل زمان؟ فاكر لما قلتلك إن الانتقام من الماضي مش هيصلح حاجة؟
صمت طويل ملأ المكان.
ـ أنا كنت فاكرة إنك هتسمع كلامي. لكن واضح إنك اخترت طريقك.
شيماء بدأت تبكي من جديد.
الأم مسكت إيدها وقالت:
ـ من النهارده، شيماء مش هتفضل هنا دقيقة واحدة لو هي مش عايزة.
حسام رفع عينه بسرعة:
ـ أمي، استني…
ردت:
ـ لأ. إنت تستنى وتفكر. إنما هي كفاية عليها اللي عاشته.
ثم التفتت إلى شيماء:
ـ تعالي معايا يا بنتي.
شيماء بصت لحسام للحظة، ثم نزلت عينيها ومشت بجوار أمّه.
وقبل ما تخرج من الباب، الأم وقفت والتفتت لحسام وقالت:
ـ أنا مش هقف ضدك، لكن مش هقف مع الظلم. ولو إنت فاكر إن سكوتي عن اللي حصل ده حب ليك، فأنت غلطان.
خرجت الأم مع شيماء، وأغلقت الباب خلفها.
فضل حسام واقف في مكانه، لأول مرة حاسس إن كل الأعذار اللي كان بيحكيها لنفسه بدأت تنهار.
أما شمس، فبصت له وقالت بقلق:
ـ حسام… إنت ساكت ليه؟
لكنه لم يرد.
لأن سؤالًا واحدًا كان يطارد تفكيره:
هل فعلاً كان يعاقب شيماء على شيء لم تفعله؟
ومن اللحظة دي، بدأت أول مواجهة حقيقية بين حسام ونفسه… وكانت المواجهة اللي هتغيّر كل حاجة.




