منوعات

جوزي كان فاكر إني مستحيل1

ساد الصمت لثوانٍ معدودة عبر الخط، صمت ثقيل كان كفيلاً بأن يجعل ضربات قلبي تتسارع حتى شعرت بها في حلقي. جاءني الصوت الأنثوي مجدداً، لكنه هذه المرة كان يحمل نبرة مرتبكة ومترددة، خالية تماماً من الاستعلاء الذي توقعته:

“أنا سلوى.. مش عارفة أبدأ منين، بس كان لازم أكلمك بعيد عن سامح وعيلته.”

قبضت على القلم الذي كنت أكتب به في النوتة بقوة حتى ابيضّت مفاصلي. خيل إليّ للوهلة الأولى أنني يجب أن أغلق الخط في وجهها، أو أن أصرخ فيها وأفرغ كل الغضب والمقت الذي تراكم في صدري منذ الليلة الماضية. لكن سنوات التعلم والتكتم علمتني كيف أضبط أنفاسي وأرتدي قناع الهدوء.

تنحنيت وقلت بنبرة باردة ومستقرة:

“سلوى.. تفضلي، سامعاكي.”

قالت بصوت متقطع:

“أنا عارفة إنك استغربتي إني جبت رقمك.. بس أنا بقالي أسبوع بتتبع تلفون سامح وعرفت أتوصلك. أنا مش هطول عليكِ، بس الخبر اللي سامح قالوا لعيلته إمبارح، أنا عرفت إنه قاله.. وعرفت إنه بيخطط لحاجة بشعة مع أمه.”

اتسعت عيناي، لكنني لم أرد، تركتها تتكلم. أضافت سلوى:

“سامح فهم أهله إن الحمل ده حصل بالصدفة وإننا رجعنا لبعض من سنة، بس الحقيقة غير كده خالص يا سارة. سامح استغل إني بمر بظروف مادية صعبة بعد وفاة والدي، وإني كنت محتاجة عملية مستعجلة، وعرض عليّ صفقة.. كان عايز طفل بأي طريقة عشان يرضي غروره وأهله، ووعدني إنه هيتكفل بكل مصاريفي ومصاريف الطفل، ومقابل ده أسيب له الولد بعد الولادة وأسافر بره مصر خالص. هو أقنعني إنك موافقة، وإنك عارفة كل حاجة ومستنية الطفل ده بفارغ الصبر لأنك مش قادرة تخلفي ومتقبلة الفكرة!”

شعرت وكأن أحدهم سكب ماءً ثلجياً على رأسي. الكلمات كانت تتردد في ذهني كالصاعقة. لم تكن القصة مجرد خيانة عابرة أو طفل ناتج عن علاقة سرية، بل كانت عملية تدبير وتخطيط بارد ومحسوب، استغل فيه زوجي ضعف امرأة أخرى لبيع وشراء طفل، واستغل فيه حبي وصبري ليجعلني أربيه وأنا جاهلة بالحقيقة، وليبدو أمام أهله ومجتمعه في مظهر “الرجل البطل” الذي أتى بالولد بدون أن يخسر زوجته الأولى المطيعة!

قلت لها بصوت هادئ ومحسب:

“وهي أمه اتدخلت إزاي في الموضوع؟”

ردت سلوى بنبرة فيها خوف حقيقي:

“أم سامح اتصلت بيّ الصبح.. وقالت لي بلسانها بالألماني، وهي فاكرة إني مش بفهم ألماني كويس عشان أنا درسته زمان في الكلية، قالت لي إنهم مش هيدوني ولا مليم من المبلغ المتفق عليه غير لما أوقع على تنازل كامل، وإنهم هيطلعوا شهادة الميلاد باسمك أنتِ وسامح بتزوير من مستشفى خاص يمتلكه صاحب حماكي! هما مش بس عايزين الطفل، هما عايزين يرموني في الشارع بعد ما أولد، ويمحوا وجودي تماماً.. ولما واجهت سامح على التلفون من ساعة، ضحك وقال لي إن مالياش أي حق، وإن سارة -اللي هي أنتِ- هتاخد بالها من الولد وهتكون ممنونة جداً لأنها محرومة!”

هنا، في هذه اللحظة بالذات، انكسر آخر خيط من الحزن داخل قلبي، وتحول كله إلى سبيكة صلبة من الرغبة في الانتقام والتخطيط العقلاني. لم تعد هناك دموعة واحدة تستحق أن تسقط على هذا الرجل أو تلك العائلة التي عاشرتها عشر سنوات وأنا أظنهم أهلي.

قلت لسلوى بنبرة حاسمة:

“أنتِ فين دلوقتي يا سلوى؟”

أعطتني عنوان شقة صغيرة في حي هادئ على أطراف المدينة، الشقة التي كان سامح يؤجرها لها بعيداً عن الأعين، والتي كان يتذرع بالسفر لإدارة أعماله كي يقضي الوقت فيها.

في خلال نصف ساعة، كنت أقف أمام باب الشقة. فتحت لي سلوى، كانت امرأة في اواخر الثلاثينيات، يبدو عليها الإرهاق الشديد والتعب، ومعالم الحمل كانت واضحة عليها. عندما رأتني، تراجعت خطوة إلى الخلف وكأنها تنتظر مني هجوماً أو صراخاً، لكنني دخلت بهدوء، وأغلقت الباب خلفي، وجلست على أول كرسي قابلني.

نظرنا إلى بعضنا البعض لثوانٍ. كانت المواجهة غريبة بكل المقاييس: الزوجة المخدوعة، والمرأة التي استُغلت لتكون وعاءً لإنجاب طفل لم تكن تريده بهذه الطريقة.

بدأت بالكلام فوراً:

“سامح فاكر إن كل خيوط اللعبة في إيده. فاكر إنه بيتحكم فيكي بالفلوس، وبيمثل عليّ أنا بالحب والحنان، ومطمن إن أهله بيدهسوا كل القوانين والنواحي الأخلاقية بجهلهم وغرورهم. بس هو نسى حاجة واحدة مهمة جداً.”

سألتني سلوى بنظرة حائرة:

“إيه هي؟”

ابتسمت ابتسامة باردة وقلت:

“نسى إن الستات لما بيقرروا يواجهوا، بيغيروا قواعد اللعبة كلها.”

فتحت شنطتي وأخرجت النوتة وقلم، وبدأت أضع الخطوط العريضة. أخبرت سلوى بالتفصيل عما دار بالأمس على سفرة الطعام في بيت حماي، وكيف كانت العائلة تتضحك وتتسامر بالألماني، وكيف قالت حماتي بالحرف: “ماتقلقيش، إحنا هنخليها هي اللي تربي الطفل.”

شهقت سلوى ووضعت يدها على فمها:

“هما للدرجادي معندهمش رحمة؟ هما فاكرين البشر ألعاب في إيديهم؟”

قلت لها:

“بالظبط. وعشان كده، أنتِ مش هتسافري، ومش هتتنازلي عن ابنك، وأنا مش هكون الضحية ولا المربية اللي بيخططوا لها. بس عشان ده يحصل، لازم تمشي معايا خطوة بخطوة في اللي هقوله لك عليه.”

طوال الخمس ساعات التالية، قضينا الوقت في وضع خطة محكمة. لم أكن أخطط مجرد للانفصال أو الطلاق، الطلاق كان سيكون مكافأة مجانية لسامح ليتخلص مني ويواصل حياته كما يشاء. كنت أريد كشف هذه العائلة أمام المجتمع، وأمام القانون، وأمام أنفسهم.

أول خطوة كانت توثيق كل شيء. طلبت من سلوى ألا تبدي أي تغيير في معاملتها لسامح. جعلتها تسجل كل المكالمات القادمة منه ومن أمه، وتطلب منه في المكالمات تأكيدات كتابية عبر الرسائل بشأن المبالغ المالية المتفق عليها، وعن اسم المستشفى الخاص الذي ينوون تسجيل الطفل فيه.

في نفس الوقت، ذهبت في طريق عودتي إلى محامٍ متخصص في القضايا الجنائية وقضايا الأحوال الشخصية، رجل مشهود له بالنزاهة والصرامة. قعدت مع الأستاذ هشام في مكتمبه وسردت له التفاصيل كاملة.

عندما سمع الأستاذ هشام القصة، قال وهو يرفع نظارته:

“مدام سارة، اللي بيخططوا له ده مش مجرد أحوال شخصية.. دي جريمة شروع في تزوير أوراق رسمية وتسهيل الاتجار بالبشر لو ثبت إن فيه مقابل مادي مدفوع للأم للتربح أو التنازل غير القانوني. والأهم من ده كله، إن سكوتك وإظهارك لعدم المعرفة لحد دلوقتي هو أكبر كارت في إيدنا.”

قلت له بثبات:

“أنا مش هتحرك خطوة واحدة علنية يا أستاذ هشام غير لما يكتمل الملف تماماً. أنا عايزاهم يفضلوا عايشين في الوهم، فاكرين إن سارة العبيطة اللي مش بتفهم ألماني لسه بتعمل لهم القهوة وبتحط الأكل.”

عدت إلى المنزل في وقت متاخر من بعد الظهر. كان البيت هادئاً، وسامح لم يكن قد عاد بعد من عمله. دخلت غرفة النوم، وفتحت الخزنة الخاصة به. كنت أعرف الرقم السرّي منذ سنوات، لكنني لم أفكر يوماً في فتحه لعدم وجود شكوك لدي.

أدخلت الأرقام، وفتح الباب الحديدي الصغير.

بدأت أفتش بين الأوراق بحذر شديد مع إرجاع كل شيء إلى مكانه. وجدت دفتر شيكات قديم، وبجانبه ملف أزرق مكتوب عليه بخط يده باللغة الألمانية: “مشروع التغيير”.

فتحت الملف، وكانت المفاجأة الكبرى.

لم تكن القصة تبدأ منذ سنة فقط كما ادعت سلوى، بل كانت أبعد من ذلك بكثير. وجدت أوراقاً ومستندات طبيبة تعود لثلاث سنوات مضت. كانت تقارير طبية حقيقية وصادرة من أكبر مراكز التحاليل في ألمانيا ومصر.

مسكت الورقة الأولى وقرأت النتيجة، ولم أصدق عيناي.

التقرير الطبي الخاص بسامح كان يؤكد بوضوح قاطع إنه يعاني من عقم كامل وغير قابل للعلاج (Azoospermia)، وأن نسبة نجاح أي عمليات تخصيب بالنسبة له هي صفر بالمائة!

توقفت أنفاسي.

إذا كان سامح عقيمًا تماماً بتقرير طبي مؤكد منذ ثلاث سنوات.. فكيف تكون سلوى حاملاً في ابنه؟!

جلست على الأرض بجانب الخزنة مفتوحة الفم، والورقة ترتجف في يدي.

سامح كان يعلم تماماً طوال السنين الثلاث الماضية أنه هو السبب في عدم إنجابنا! ومع ذلك، كان يتركني أذهب إلى الدكاترة، وأخضع للعمليات الجراحية المجهدة، وآخذ الهرمونات التي كانت تدمر جسدي ونفسيتي، وكان يتفرج عليّ وأنا أبكي في الحمام بحرقة، ويدخل ليقول لي ببرود ودهاء: “إحنا كفاية لبعض يا سارة”!

كان يلقي باللوم الضمني عليّ أمام أهله، ويجعل أمه وأخته يتعاملان معي كأنني ناقصة، فقط ليحمي كبرياءه الذكوري ويتستر على عيبه!

ولكن الجريمة الأكبر والأغرب: إذا كان هو عقيمًا.. فمن هو والد الطفل الذي تحمله سلوى في بطنها؟!

سمعت صوت مفتاح يلف في باب الشقة الخارجي.

بسرعة البرق، قمت بتصوير التقرير الطبي بموبايلي، وأعدت الملف الأزرق إلى مكانه داخل الخزنة، وأغلقت الباب الحديدي، وقمت بمسح أي أثر لوجودي هناك.

 

دخل سامح الشقة، وهو يحمل حقيبته ورائحة عطره تسبقه. ابتسم ابتسامته المعتادة، الابتسامة التي كنت أراها في السابق رمزاً للأمان، وأصبحت أراها الآن رمزاً للخداع والخسة.

اقترب مني وقال بنبرة حنونة كاذبة:

“حبيبتي سارة.. إيه الأناقة دي؟ غريبة إنك ما روحتش الشغل النهاردة، حاسة بتعب ولا حاجة؟”

مد يده ليلمس وجهي، لكنني تصنعت الابتسام وأدرت وجهي بخفة وكأنني أعدل شعري، وقلت بصوت هادئ ومستقر:

“لا يا حبيبي، بس حسيت إني محتاجة أريح شوية. وعملت لك العشاء اللي بتحبه.”

نظر إليّ بامتنان مزيف، وقال وهو يتجه لغرفة المكتب:

“ربنا يخليكي ليّ يا سارة.. مش عارف من غيرك كنت هعمل إيه.”

قفت في الممر أنظر إلى ظهره وهو يبتعد، والشكوك تنهال على عقلي كالمطر.

هل سلوى تخدع سامح وتوهمه أن الطفل ابنه وهي تعرف أنه عقيم لتأخذ منه الأموال؟ أم أن سامح يعرف أنه ليس ابنه ويريد شراء طفل أي رجل آخر فقط ليثبت لعيلته ومجتمعه أنه “رجل كامل” ويكتب الطفل باسمه ويجبرني على تربيته؟

أيا كان التفسير، فإن التآمر كان أعماق وأحقر مما تخيلت. لم أكن أواجه مجرد زوج خائن، بل كنت أواجه شبكة من الكذب والتزوير والأمراض النفسية التي تغلف هذه العائلة بالكامل.

دخلت المطبخ وأمسكت بتلفوني، وأرسلت رسالة قصيرة ومشفّرة إلى سلوى عبر تطبيق محمي:

“لازم نشوف بعض بكرة الصبح بدري جـداً.. فيه سر خطير عن سامح لازم تعرفيه قبل ما ناخد أي خطوة جاية.”

ثم أخرجت سمّاعات الأذن، ووضعتها في أذني، وبدأت أستمع إلى تسجيل صوني جديد باللغة الألمانية لدرس متقدم في قواعد اللغة.. درس كان عنوانه: “كيف تبني حجة قاطعة لا يمكن نفيها”.

 

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى