روايات وقصص

حكايات امانى السيد 1

قعدت على الأرض والدموع مالية عيني، والرسايل بتجري قدام عيني زي كابوس مش قادرة أفوق منه. الصوت كان مكتوم في زوري، ونار بتاكل في قلبي أكل. الموبايل في إيدي منور، وكل رسالة بتنزل عليه كانت زي السكينة اللي بتغرس أكتر في ضهري. ألف سؤال وسؤال كان بيلف في دماغي: لمين كل ده؟ مين دي اللي بتلبس الفساتين اللي بالآلاف وتتعطر ببرفان بتمن مصروف بيتنا اللي بأعافر فيه طول الشهر؟

وفجأة، الموبايل رن في إيدي! اسم “أبو العيال” تنح على الشاشة. مسحت دموعي بسرعة وحاولت أجمع أشتات نفسي، خدت نفس طويل ورديت بصوت مرعوش: “ألو؟”. جاني صوته من الناحية التانية حاد ومستعجل كعادته: “أنا نسيت الموبايل على الشاحن، جيبيه معاكي ونزلي العيال على السلم عشان طالع أخد الموبايل وماشي بسرعة، عندي اجتماع مهم.”

قفلت معاه وقومت بالعافية، رجليا مش شايلاني. بصيت في المراية لقيت وشي أصفر زي الليمونة وعيني أحمرت من الدمع. مسحت وشي بسرعة، وحطيت الموبايل في جيب جلابيتي القديمة اللي خلاص ألوانها بهتت ودابت، وطلعت الشنطة الصغيرة اللي فيها كيس الخضار اللي كنت متفقة أعمله للعيال.

وصل وبصلي بنظرة سريعة فيها استعلاء وقالي: “هاتي الموبايل بسرعة”. خلع الموبايل من إيدي وفتحه، وعينه جت على الرسايل اللي نزل فيها الإشعار. في اللحظة دي، شفت لمعة ارتباك وخوف في عينه لأول مرة من ٦ سنين! وشه اتغير ولونه خطف، بصلي بسرعة وقالي بصوت متوتر بيحاول يداريه بالقسوة: “أنتي فتحتي الموبايل؟ قريتي الرسايل دي؟”

وقفت قصاده، ولأول مرة في حياتي ما أكونش الخايفة. بصيت في عينه بثبات وغصة في حلقي وقولتله: “الموبايل نور بالرسايل، وعيني جت بالصدفة.. البرفان اللي بتمن أكل عيالك طول الشهر رايح لمين يا ابن الناس؟ والهدوم اللي بآلاف الجنيهات بتلبسها مين وأنا وعيالك عايشين على فواضل غيرنا وفي الهدوم المستعملة؟”

اتحول وشي لكتلة من الغضب، وحاول يقلب الطاولة عليا كعادته، هجم عليا بصوته العالي وقالي: “أنتي بتتجسسي عليا؟ أنتي بتبصي في حلالي وحرامي؟ الفلوس دي شغل تجارة وبزنس بيني وبين زمايلي في الشركة! ومشتريات ومصاريف شغل تخص المحلات اللي بنتعامل معاها! أنتي فاهمة إيه في البزنس والشركات؟ أنتي آخرك المطبخ والأكل والشرب، جاية تتكلمي في مصاريف شغل؟”

قلبي كان بيتقطع، وقولتله بصوت أبحّ لكنه زلزل الشقة: “مصاريف شغل من محلات فساتين حريمي وبراندات؟ هو الشغل بيحتاج برفان حريمي بتمن قوت عيالك؟ أنت استخسرت فيا فستان جديد بالورقة بتاعته عشان تروح تدفع الآلاف بره؟ وتقولي مش ست أصيلة؟ أنا الأصيلة اللي شالتك على المر، وأنت اللي لما ربنا كرمك رميتنا في الساقية ووريتنا وشك التاني!”

رد بعنجهية وقسوة وهز كتفه قايل: “أنا الراجل وأنا اللي بأشقى وبجيب اللقمة، والفلوس دي فلوسي وأنا أتصرف فيها زي ما أنا عاوز! أنتي ليكي الأكل والشرب والستر، كتر خيرك إنك عايشة ومستورة، ومفيش كلمة زيادة هتنقال في الموضوع ده! ولو مش عاجبك العيشة، الباب يفوت جمل!”

سابني ونزل وربخ الباب وراه بكل قسوة، ساب الصدى يرن في الشقة. نزلت على الكنبة وأنا حاسة إن الدنيا كلها اتطربقت فوق دماغي. كلامه كان زي المية الساقعة اللي فوقتني من طيبتي وعبط السنين اللي فاتت. اتأكدت إن الشكوى والنكد مش هيجيبوا حق، وإن السكوت اللي كنت فاكراه “أصل” كان في نظره ضعف وغباء.

مسحت دموعي بإيدي، وبصيت لصورة عيالي على الحيطة. قولت لنفسي: خلاص.. زمن الضعف والكسرة خلاص انتهى. أنا مش هعيش على الفواضل، ومش هسيب حقي وحق عيالي يروح للغريب لمجرد إن اسمي “الست الأصيلة”.

بعد ساعتين، العيال رجعوا من المدرسة فرحانين باللبس المستعمل اللي كنت جايباه من فلوس بابا. ابن الصغير مسك إيدي وقالي: “بصي يا بابا جابلي إيه أختي؟ اللبس ده حلو أوي يا أمي!”، الكلمة دي عملت زي شرارة النار جوايا. رفعت التليفون ورنيت على بابا، وقولتله بصوت ثابت ومختلف تماماً عن صوتي الزماني: “يا بابا.. أنا محتاجاك تجيلي حالا، في كلام لازم يتقال وحق لازم يرجع.”

في نفس الليلة، قعدت في الصالة ومستنية رجوعه. ما كنتش الست المكسورة بتاعة الصبح، كنت ست تانية خالص، ناسية الخوف وناوية أحط حد لست سنين من القهر..

ولما فتح الباب ودخل، تفاجأ بوجود بابا قاعد مستنيه في الصالة، وعلى الترابيزة محطوطة الورقة اللي كتبتها بإيدي وفيها كل حسابات الرسايل بالتاريخ واللحظة!

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى