
جلست على الكنبة الكبيرة، ونظرت إلى التلفزيون المطفأ.
هاتفي كان لا يزال على السرير. ذهبت وأمسكت به. فتحت قائمة الحظر (Block list)، وجدتها تحتوي على 14 مكالمة فائتة من أرقام مختلفة خلال الساعتين الماضيات، يبدو أن ثريا كانت تحاول بكل الطرق الوصول إليّ لمعرفة هل تم القبض عليّ أم لا!
فككت الحظر عن رقم ثريا لثوانٍ معدودة، وقمت بالاتصال بها.
ردت في الرنة الأولى بصوت ملهوف يملؤه الترقب: “شهد؟! إنتي فين؟! الشرطة جابتك ولا لسه؟! حسام بينتهي يا شهد!”
ضحكت.. ضحكة طويلة، صافية، وخالية من أي شائبة حزن.
“مساء الخير يا مدام ثريا،” قلتها بنبرة صوت أهدى من مياه الخليج، “أنا بكلمك من جناح الأوتيل في الغردقة.. الشرطة لسه ماشية من عندي دلوقتي، بعد ما شافوا تفريغ الكاميرات والتقرير الطبي اللي أثبت إن ابنك الباشا اتسمم بسبب الأقراص الرخيصة والمغشوشة اللي بلعها بالليل عشان يحتفل بالفرح الوهمي اللي كان بيكذب بيه عليا.”
الصمت هبط على الناحية الأخرى كالصخرة.
تابعت بصلابة لم أعهدها في نفسي من قبل: “ابنك المحترم ما كانش عنده فرح ولا عروسة.. ابنك كان بيحاول يستعرض، ولما ما أكلتش معايا، راح نفسه بنفسه. وحضرتك، بدل ما تقعدي تحت رجليه تدعيله بالشفاء، رايحة تتبلي عليا بتهمة ؟”
سمعت صوت حشرجة في حلقها: “شهد.. أنتِ فاهمة غلط.. أنا كنت مرعوبة على الولد و—”
“قاطعتها فوراً وبصوت كالرصاص: “أنا مش فاهمة غلط.. أنا فهمت كل حاجة. وفهمت إن ربنا نجاني من عيلة مريضة. والمحامي بتاعي الصبح هيكون في النيابة بيقدم بلاغ رد شرف وبلاغ ، ومش هتنازل عن حق واحد مليم منه.”
“يا شهد يا بنتي عشان خاطر العشرة!” بدأت تبكي وتتوسل بنبرة لم تعد تنخدع بها حتى طفلة صغيرة.
“العشرة قفلتوها أنتم إمبارح الساعة تسعة ونص الصبح.” بثبات. “ودلوقتي.. سيبيني أكمل إجازتي.. عشان أنا ورايا عشاء مجاني في الجناح، وورايا بحر ومساج ومستقبل كامل لازم أعيشه بكل قرش حرمت نفسي منه زمان.”
قبل أن تنطق بحرف آخر، أغلقت الخط في وجهها، وأعدت حظر الرقم، وحظرت كل أرقام عائلتهم عن بكرة أبيها.
فتحت كيس ماسك الوش الثلجي، وضعته على وجهي، وخرجت إلى التراس المطل على البحر.
الهواء العليل كان يلفح وجهي، وصوت الأمواج يمحو كل سنوات التعب والخوف والادخار لليوم الأسود. اليوم الأسود لم يكن يوم الطلاق، بل كان كل يوم قضيته معهم وأنا أظن أنني أعيش حياة طبيعية.
ابتدأت حياتي الآن فقط.. ولا يوجد أي حسام، ولا أي ثريا، يمكنه أن يفسد هذا الصفاء بعد اليوم.




