
قلبت الصفحة الأخيرة.
وكان فيها اسم الشخص اللي سلّم العينة.
يوسف حسنين.
لكن قبل ما ألحق أكمل، سمعت صوت باب المكتب بيتقفل ورايا.
لفيت بسرعة.
يوسف كان واقف قدامي.
وشه هادي بشكل مرعب.
قال:
“كنت عارف إنك هتوصل هنا يا سامح.”
قلت:
“إنت عملت إيه؟”
ابتسم.
“أنا؟”
ثم قال:
“أنا ما عملتش حاجة.”
قلت:
“إنت اللي جبت العينة.”
قال:
“أيوه.”
“وإنت اللي خوفت علا.”
قال:
“أيوه.”
“وإنت اللي قلتلها إن أحمد مش ابنها.”
هز رأسه.
“أيوه.”
صرخت:
“ليه؟!”
يوسف قرب خطوة.
وقال:
“عشان أحمد ما كانش المفروض يتولد أصلاً.”
تجمدت.
قلت:
“يعني إيه؟”
يوسف ابتسم ابتسامة باردة.
“لأن الطفل اللي المفروض يتولد من العملية… كان طفل واحد.”
قلت:
“محمد.”
هز رأسه.
“لا.”
ثم فتح درج المكتب وأخرج ورقة قديمة.
حطها قدامي.
وقال:
“اقرا.”
بصيت للورقة.
وكان مكتوب فيها اسم الجنين المتوقع.
“أحمد…”
لكن الاسم اللي بعده…
خلاني أحس إن قلبي توقف.
لأن اسم الطفل الثاني لم يكن محمد.
كان اسم طفل آخر تماماً.
ورفعت عيني ليوسف وأنا أقول:
“محمد مش هو الطفل اللي كان المفروض يولد؟”
ابتسم وقال:
“لأ.”
ثم أضاف:
“وده معناه إن التوأم اللي عندك دلوقتي… مش هما اللي في الملف.”
في اللحظة دي، سمعت صوت خطوات سريعة في الممر.
يوسف بص ناحية الباب.
وشه اتغير.
وقال بصوت منخفض:
“الدكتور رجع.”
والباب بدأ يتفتح ببطء…
ومن وراه ظهر رجل كبير في السن، ماسك ملف أسود في إيده.
وبصلي مباشرة وقال:
“سامح… لو عايز تعرف الحقيقة كاملة عن ولادك، لازم تسمعني قبل ما يوسف يهرب.”
لكن يوسف فجأة جري ناحية الباب الخلفي…
والدكتور صرخ:
“متخليهوش يخرج!”
جريت وراه…
من غير ما أعرف إن المطاردة دي هتكشف سر أخطر من كل اللي سمعته لحد دلوقتي.
الجزء قبل الأخير
جريت ورا يوسف بكل قوتي.
نزل السلم بسرعة، وأنا وراه، وصوت الدكتور لسه بيرن فوق:
“سامح! خد بالك منه!”
يوسف فتح الباب الخلفي للعيادة وخرج يجري في الشارع.
صرخت:
“يوسف! استنى!”
ما وقفش.
جريت وراه لحد ما دخل حارة ضيقة، وهناك اختفى بين العربيات.
وقفت ألهث، وبصيت حواليّا.
مفيش أثر له.
رجعت للعيادة.
لقيت الدكتور واقف عند الباب، والملف الأسود في إيده.
قال:
“هرب.”
قلت بغضب:
“إنتوا كنتوا بتعملوا إيه من ورايا؟!”
قال:
“أنا كنت بحاول أصلح كارثة حصلت من سنين.”
دخلت معاه.
قعدت قدامه وقلت:
“من البداية… ومن غير لف ولا دوران.”
فتح الملف الأسود.
وقال:
“الحقيقة إن علا ما كانتش بتعمل علاج عقم بالطريقة اللي قالتلك عليها.”
قلت:
“أمال كانت بتعمل إيه؟”
قال:
“هي دخلت برنامج تجريبي لمساعدة الحالات المستعصية على الإنجاب.”
قلت:
“برنامج تجريبي؟”
هز رأسه.
“أيوه.”
قلت:
“ويوسف كان له علاقة؟”
قال:
“كان وسيط.”
“وسيط في إيه؟”
قال:
“في الحصول على عينات من متبرعين.”
سكت.
ثم قلت:
“طب الورقة اللي لقيتها مكتوب فيها إن العينة مجهولة المصدر.”
قال:
“لأنها فعلاً كانت مجهولة.”
قلت:
“بس اسم يوسف موجود.”
قال:
“يوسف كان الشخص اللي سلّم العينة للمركز، لكنه ما كانش صاحبها.”
سألت:
“يبقى مين صاحبها؟”
الدكتور فتح صفحة تانية.
“المشكلة إن العينة نفسها اتبدلت.”
سكت.
“اتبدلت؟”
قال:
“أيوه.”
حسيت إن كل حاجة بتنهار تاني.
“مين بدلها؟”
قال:
“ده اللي حاولنا نعرفه.”
قلت:
“وحصل إيه؟”
قال:
“بعد فترة اكتشفنا إن فيه خطأ في ترقيم العينات.”
قلت:
“يعني ممكن عينة علا تكون اتبدلت بعينة واحدة تانية؟”
قال:
“مش ممكن بس… ده اللي حصل.”
سكت.
ثم قلت:
“ومحمد وأحمد؟”
الدكتور بصلي طويلاً.
“هنا بقى الجزء الأصعب.”
قرب الملف مني.
“التحاليل اللي اتعملت أثناء الحمل قالت إن فيه احتمال كبير إن الطفلين مش من نفس الأب.”
قلت:
“وده اللي علا عرفته.”
قال:
“أيوه.”
“لكن تحليل ما بعد الولادة قال إن أحمد ابني.”
الدكتور هز رأسه.
“صح.”
قلت:
“ومحمد؟”
سكت.
قلت:
“قول.”
قال:
“محمد مش ابنك.”
حسيت إن وداني بطلت تسمع.
“إيه؟”
قال:
“التحليل النهائي اللي وصلنا له بعد الولادة بيقول إن أحمد هو ابنك البيولوجي.”
“ومحمد؟”
قال:
“مش ابنك.”
سكت.
ثم ضحكت ضحكة مكسورة:
“يعني طول الوقت كنا فاكرين إن محمد ابني وأحمد مش ابني… والحقيقة العكس؟”
قال:
“أيوه.”
غمضت عيني.
كل المشاهد رجعت قدامي.
علا وهي بتضم محمد.
علا وهي بتبعد أحمد.
علا وهي بتقول إن أحمد لعنة.
كل ده كان مبني على كذبة.
لكن السؤال الأكبر كان:
“محمد ابن مين؟”
الدكتور قال:
“لسه مش عارفين.”
قلت:
“إزاي؟”
قال:
“لأن العينة اللي نتج عنها الحمل بتاعة محمد مصدرها غير معروف.”
قلت:
“يعني إيه غير معروف؟”
قال:
“يعني إن الشخص اللي مصدر العينة ما اتسجلش بشكل صحيح.”
سكت.
ثم سألت:
“يوسف؟”
قال:
“يوسف مش الأب.”
“طب مين؟”
الدكتور بصلي.
“ده اللي كنا بندور عليه.”
وفجأة تذكرت حاجة.
“يوسف قال إن أحمد ما كانش المفروض يتولد.”
الدكتور هز رأسه:
“دي مش الحقيقة.”
قلت:
“أمال ليه قال كده؟”
قال:
“لأنه كان عايز يخوف علا.”
“من إيه؟”
قال:
“كان عايزها تصدق إن أحمد هو الطفل الغلط، عشان تخليه بعيد عنك.”
قلت:
“بس ليه؟”
الدكتور سكت.
ثم قال:
“لأن وجود أحمد معاك كان هيكشف مين الأب الحقيقي لمحمد.”
سكت.
“إزاي؟”
قال:
“لأن التوأم كانا مفتاح القضية.”
ثم أخرج ورقة أخرى.
وقال:
“سامح… بص على التاريخ.”
بصيت.
كان التاريخ قبل الحمل بشهور.
ثم قرأت ملاحظة:
“العينة رقم 417 تم نقلها إلى ملف علا حسنين بناءً على طلب أحد أفراد الأسرة.”
اتسمرت مكاني.
“أحد أفراد الأسرة؟”
الدكتور قال:
“أيوه.”
قلت:
“مين؟”
قال:
“ما اتكتبش الاسم.”
سكت.
“لكن فيه توقيع.”
قربت الورقة.
بصيت للتوقيع.
في البداية ما فهمتش.
لكن بعد ثواني…
عرفته.
كان نفس التوقيع اللي شفته على ورقة قديمة في بيت أمي.
رفعت عيني للدكتور.
“التوقيع ده…”
قال:
“تعرفه؟”
قلت:
“أيوه.”
“لمين؟”
قلت:
“لأمي.”
الدكتور سكت.
حسيت إن قلبي وقع.
أمي كانت عارفة.
لكن دي المرة الأولى اللي أكتشف فيها إنها مش بس كانت عارفة…
أمي كانت جزء من الموضوع من البداية.
—
خرجت من العيادة وأنا مش شايف قدامي.
اتصلت بأمي.
“أمي.”
قالت:
“نعم يا سامح؟”
قلت:
“أنا عرفت.”
سكتت.
“عرفت كل حاجة.”
صوتها اتغير:
“إنت فين؟”




