روايات وقصص

بعد ٧ سنين حكايات زهره الربيع 4

قلت:

“في العيادة القديمة.”

سكتت فترة طويلة.

ثم قالت:

“كنت عارفة إنك هتوصل.”

قلت:

“ليه عملتي كده؟”

قالت:

“تعالى البيت.”

قلت:

“لا.”

قالت:

“سامح…”

قاطعتها:

“أنا عايز أعرف حاجة واحدة.”

سكتت.

“إنتِ ليه وقعتي على ورقة نقل العينة؟”

الصمت كان أطول من أي إجابة.

ثم سمعتها بتبكي.

قلت:

“أمي؟”

قالت:

“لأني كنت بحاول أحميك.”

صرخت:

“تحميني من إيه؟!”

قالت:

“من الحقيقة.”

قلت:

“الحقيقة إن محمد مش ابني؟”

انهارت في البكاء.

“أيوه.”

قفلت المكالمة.

—

رجعت المستشفى.

لقيت هدى قاعدة جنب أحمد.

أول ما شافتني قالت:

“سامح، إنت شكلك مرعب.”

قعدت جنبها.

قلت:

“هدى…”

“نعم؟”

“أحمد ابني.”

ابتسمت وسط دموعها.

“أنا كنت عارفة إنه ابنك.”

قلت:

“لا… المرة دي عندي دليل.”

حطيت إيدي على راس أحمد.

وقلت:

“بس محمد مش ابني.”

هدى شهقت.

“إيه؟”

قلت:

“لسه مش عارف ابن مين.”

سكتت.

ثم قالت:

“وعلا؟”

قلت:

“علا كانت عايشة على كذبة.”

“يعني إيه؟”

قلت:

“كانت فاكرة إن أحمد مش ابني، وعشان كده كانت بتكرهه.”

هدى مسكت إيدي.

“طب ومحمد؟”

قلت:

“محمد هو اللي مش ابني.”

وفجأة، وأنا بتكلم، دخلت ممرضة وقالت:

“حضرتك سامح؟”

قلت:

“أيوه.”

قالت:

“في سيدة بره بتسأل عليك.”

“مين؟”

قالت:

“اسمها علا.”

قلبي اتقبض.

خرجت.

لقيت علا واقفة في آخر الممر.

لوحدها.

من غير محمد.

وشها كان شاحب، وعينيها مليانة دموع.

أول ما شافتني قالت:

“سامح…”

قلت:

“محمد فين؟”

قالت:

“مع بابا.”

قلت:

“إنتِ جاية ليه؟”

قربت مني.

“عشان أقولك الحقيقة.”

قلت:

“الحقيقة خلصت.”

هزت رأسها.

“لأ… لسه.”

قلت:

“أنا عرفت إن أحمد ابنك وابني.”

قالت:

“وعرفت إن محمد مش ابنك.”

سكت.

بصيت لها بصدمة.

“إنتِ كنتِ عارفة؟”

قالت:

“من أول يوم.”

اتسعت عيني.

“من أول يوم؟!”

قالت:

“أيوه.”

“إزاي؟”

قالت:

“لما ولدت… الدكتور قاللي إن أحمد هو ابنك.”

قلت:

“ومحمد؟”

بدأت تبكي.

“محمد… مش من العينة اللي أنا كنت فاكرة إنها بتاعته.”

قلت:

“يعني إيه؟”

قالت:

“لأن في حاجة حصلت قبل الولادة.”

سألت:

“إيه؟”

قالت:

“يوسف جه لي في المستشفى قبل ما أولد بأيام.”

“وقال إيه؟”

قالت:

“قاللي إن لو فضلتِ مع سامح، حياتك هتدمر.”

“وبعدين؟”

قالت:

“اداني صورة.”

“صورة مين؟”

سكتت.

ثم أخرجت من شنطتها صورة صغيرة.

ناولتها لي.

بصيت للصورة.

كانت صورة راجل.

راجل عمري ما شفته في حياتي.

قلت:

“مين ده؟”

علا قالت:

“ده الشخص اللي يوسف قال إنه صاحب العينة.”

قلت:

“وليه الصورة معاك؟”

قالت:

“لأنه هو السبب الحقيقي في وجود محمد.”

قلت:

“فينه؟”

علا بدأت ترتعش.

وقالت:

“هو مش بعيد.”

قلت:

“فين؟”

رفعت عيني لي.

وقالت:

“إنت بتشوفه كل يوم تقريباً.”

سكت.

ثم قالت:

“والأخطر من كده…”

ابتلعت ريقها.

“إنه يعرف إن أحمد ابنك.”

قلت:

“مين؟!”

علا قربت مني، وقالت بصوت منخفض:

“الشخص اللي واقف معانا من أول يوم في الحكاية.”

وقبل ما تسميه…

رن تليفوني.

رقم أمي.

رديت.

جالي صوتها مرتعش:

“سامح… ارجع البيت بسرعة.”

قلت:

“ليه؟”

قالت:

“حاتم هنا.”

“وبعدين؟”

قالت:

“ومعه يوسف.”

سكت.

ثم سمعتها تقول:

“والاتنين بيقولوا إن لازم نقولك الحقيقة قبل ما الشرطة توصل.”

قلبي دق بعنف.

قلت:

“شرطة؟!”

قالت:

“أيوه.”

“مين اتصل بالشرطة؟”

سكتت.

ثم قالت:

“أنا.”

قفلت المكالمة.

بصيت لعلا.

قلت:

“إنتِ كنتِ هتقوليلي مين الشخص؟”

هزت رأسها.

لكن قبل ما تتكلم، وصلني إشعار على موبايلي.

نتيجة تحليل DNA إضافية وصلت إلى البريد الإلكتروني.

فتحتها.

قرأت أول سطر.

ثم الثاني.

ثم الثالث.

وفجأة…

إيدي بدأت تترعش.

لأن التحليل لم يكن عن أحمد ومحمد فقط.

كان فيه اسم ثالث.

اسم الشخص الذي يطابق الأبوة مع محمد.

رفعت عيني لعلا.

وقلت:

“علا…”

وشها اصفر.

“مين؟”

بصيت للاسم مرة ثانية.

ثم قلت:

“محمد ابن…”

لكن قبل ما أنطق الاسم، سمعنا صوت صراخ شديد من آخر الممر.

جرينا ناحية الصوت.

وكان حاتم واقف هناك…

ومعه يوسف…

والشرطة وصلت.

وفي إيد حاتم ظرف أبيض.

أول ما شافني قال:

“سامح… قبل ما تفتح الظرف ده، لازم تعرف إن الشخص اللي عمل كل ده مش يوسف.”

بصيت له.

قال:

“يوسف كان مجرد أداة.”

ثم أشار إلى الظرف وقال:

“اللي حرّك كل حاجة من البداية… شخص من بيتك أنت.”

فتحت الظرف ببطء…

والاسم اللي ظهر قدامي كان اسم الشخص الوحيد اللي عمري ما توقعت أشك فيه.

أمي.

الجزء الأخير

“أمي؟!”

الكلمة خرجت مني بصوت مخنوق، كأني لأول مرة أنطق اسمها.

بصيت للورقة، وبعدين بصيت لحاتم، ثم ليوسف، ثم لعلا.

كلهم كانوا ساكتين.

صرخت:

“إنتوا بتقولوا إن أمي هي اللي عملت كل ده؟!”

حاتم قرب مني وقال:

“اسمعني للآخر يا سامح.”

قلت:

“أنا مش هسمع حاجة! أمي؟ أمي اللي كانت بتبكي معايا سبع سنين؟ أمي اللي كانت بتقول إن نفسها تشوفلي عيل؟ أمي اللي جريت معايا المستشفى لما أحمد تعب؟!”

حاتم قال:

“وعشان كده لازم تعرف الحقيقة كاملة.”

بصيت للورقة تاني.

كان فيها اسم أمي وتوقيعها.

لكن تحت التوقيع كان فيه شيء آخر.

ملاحظة مكتوبة بخط الدكتور:

“تم تغيير العينة بناءً على طلب والدة الزوج، مع موافقة الزوجة، على أن يتم إبلاغ الطرفين لاحقاً.”

رفعت عيني.

“يعني أمي هي اللي غيرت العينة؟”

الدكتور هز رأسه.

“أيوه… لكن مش عشان تأذيك.”

ضحكت بمرارة.

“أمال عشان إيه؟”

الدكتور قال:

“عشان تمنع كارثة أكبر.”

قلت:

“أي كارثة أكبر من اللي حصل؟!”

الدكتور سكت.

ثم قال:

“أمك كانت تعرف حاجة عن يوسف.”

بصيت لحاتم.

“إنت كنت تعرف؟”

قال:

“جزء.”

“قول.”

قال:

“قبل سنين، يوسف كان داخل في مشاكل كبيرة بسبب تجارة غير قانونية في عينات طبية.”

اتصدمت.

“إيه؟”

قال:

“كان بيستغل مرضى العقم، ويوهمهم إنه بيساعدهم، ويبيع لهم عينات بأسعار ضخمة.”

يوسف صرخ:

“كداب!”

الشرطة مسكته.

لكن حاتم كمل:

“أمك اكتشفت الموضوع بالصدفة.”

قلت:

“إزاي؟”

قال:

“لأن واحدة من الحالات كانت قريبة ليها، وحصلت مشكلة في النسب.”

الدكتور تدخل:

“والدتك جتلي وهي شاكّة إن فيه تلاعب.”

قلت:

“وبعدين؟”

قال:

“راجعنا الملفات، واكتشفنا إن فيه عينات تم تبديلها بالفعل.”

بصيت ليوسف.

“وأنت؟”

يوسف سكت.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى