روايات وقصص

حكايات زيزى1

كان فيه ورقة رابعة.

 

وسرها أخطر بكتير من أي حاجة اتكشفت لحد دلوقتي.

 

ولما الحاجة ثريا عرفت الورقة دي بتقول إيه…

 

بقى واضح إن التلاتة ولاد ما كانوش أكبر سر مخبيينه عيلة السيوفي.

 

دول كانوا…

 

مجرد البداية.

 

خرجت الورقة الرابعة من الظرف البني، وساد في الصالون صمتُ لم يقطعه سوى صوت أنفاس الحاجة ثريا المتسارعة وصوت دقات قلبي التي كنت أسمعها في أذني.

كانت مريم تقف عند باب المطبخ، يدها على صدرها كأنها تحاول منع نفسها من الانهيار، بينما أحمد تجمد في مكانه، نظراته تتنقل بين وجهي وبين الظرف المنبسط على الطاولة.

رفعت الورقة الرابعة بثبات. لم تكن مجرد تحليل للحمض النووي، بل كانت تقريرًا ماليًا وطبيًا صادرًا من إحدى المستشفيات الخاصة خارج مصر، ومعها عقد ملحق بتاريخ يعود لإحدى عشرة سنة مضت.

قلت بصوت حاسم، لا مهادنة فيه:

«أحمد السيوفي… الورقة دي مش بتقول بس إن مريم هي الأم البيولوجية للولاد الثلاثة. الورقة دي فيها توقيعك إنت وأمك على اتفاقية نقل الأرحام والتأجير السرية اللي عملتوها في الخارج قبل جوازنا بأشهر قليلة. بس المهم مش الاتفاقية… المهم هو الاسم المكتوب في خانة “الطفل الأول”.»

الحاجة ثريا وقفت فجأة، والإسورة الذهب تحشرجت في معصمها، وقالت بصوت مشروخ:

«اسكتي! إنتِ مش فاهمة حاجة… إنتِ جاية تهدّي بيتك وتفضحينا؟»

ابتسمت بمرارة وأنا أضم ليلى إليّ أكثر.

«أهد بيتي؟ البيت ده مكنش بيت من الأصل يا ثريا هانم. البيت ده كان مسرحية كبيرة إنتِ أخرجتيها، وأحمد كان البطل، وأنا كنت مجرد كومبارس أعمى بيخدم على أوهامكم. إنتوا اتجوزتوني ليه يا أحمد؟ عشان عيلتي السابقة واسم أبويا المترجم في السجلات الدبلوماسية؟ ولا عشان تبانوا قدام المجتمع العائلة المثالية اللي عندها زوجة واجهة وأولاد يشيلوا الاسم؟»

أحمد قرب مني بخطوات مترددة، يحاول يستعيد ثباته المعتاد:

«نورهان… هاتي الأوراق دي نتكلم في المكتب بعيد عن البنت. الكلام ده لو خرج برا الأوضة دي…»

قاطعته بقوة:

«لو خرج برا الأوضة دي، هي هد ممتلكات عيلة السيوفي اللي إنت جايبني النهارده عشان تنازليني عن فتافيت منها! التقرير ده بيثبت إنك استغليت حسابات عيلتي القديمة والوكالة اللي عملتهالك بعد جوازنا بسنتين لتغطية مصاريف العمليات دي، ولتحويل أموال باسم شركات وهمية في الخارج!»

هنا لم تتحمل مريم. خطت خطوات نحو الصالون، ودموعها تنزل بصمت، وقالت بصوت مكسور:

«أنا أسفة يا نورهان… والله ما كان بيدي. هم اللي استغلوا حاجتي وقدرتي، وشرطوا عليّ أكون الممرضة عشان أضل قريبة من ولادي ومن غير ما أحد يعرف…»

التفتت إليها ثريا هانم بغضب عارم:

«اسكتي يا مريم! إنتِ خدتي حقك وزيادة، ومكانك هنا معروف! إنتِ مجرد…»

«مجرد إيه؟» قاطعتها أنا بحدة.

«مجرد واحدة بعتوا مستقبلهـا واستغليتوا فقرها؟ ولا مجرد أم اتفرض عليها تشوف ولادها بينادوا واحدة تانية بـ “ماما” وهي بتنظف وراهم وتديهم الدوا بصفة ممرضة؟ إنتوا مش بس دمرتوني أنا… إنتوا دمرتوا كل بني آدم دخل البيت ده!»

سيف، ابننا الأكبر ذو التسع سنوات، نزل من الدور العلوي على صوت الصياح. كان يقف على أول الدرج، ينظر إلينا بذهول، ويمسك بيد أخويه الصغيرين، عمر وآدم.

سيف قال بصوت متلعثم:

«ماما… في إيه؟ ليه تيتة بتزعق؟»

نظرت إلى سيف. كان قلبي يعتصر. أنا من سهرت معه في حمى الرئتين لما كان عمره سنتين. أنا من علمته كيف يمسك القلم، وأنا من بكيت في أول يوم دخل فيه المدرسة. لكن لما نظرت لأحمد ولثريا، رأيت الشبه البارد في أعينهم. رأيت كيف كانوا يربون الولاد ليكونوا نسخة جديدة من الجشع والطبقية التي مارسوها على بنتي ليلى.

أحمد صرخ في سيف:

«اطلع فوق يا سيف! خذ أخواتك وادخلوا الأوضة فورًا!»

لكن ليلى شدّت ثوبي، وقالت بصوت خائف:

«ماما… أنا خايفة، يلا نمشي.»

نزلت لمستواها، مسحت على شعرها، وقلت لها:

«ما تخافيش يا ليلى. حقك مش هيضيع، والنهارده التنازل مش هيكون مني أنا… التنازل هيكون منهم هم.»

وقفت وواجهت أحمد وثريا هانم بالتقرير الرابع ونسخ إضافية سحبتها من شنطتي:

«الورقة دي مش بس معاها تحاليل الـ DNA. الورقة دي معاها بلاغ رسمي مُجهز للنيابة العامة بتهم التزوير في أوراق رسمية، واستغلال توقيعات مالية، وإنشاء نسب غير قانوني. وأورق الطلاق اللي إنت محضرها دي؟ ابلعها يا أحمد. الطلاق هيكون بشروطي أنا.»

أحمد الوش بتاعه اتغير تمامًا. البرود اللي كان بيتكلم بيه من شوية اختفى، وبقى محله ذعر حقيقي.

«إنتِ عايزة إيه يا نورهان؟ الفلوس؟ البيت؟ كل اللي عايزاه هيتنقلك باسمك… بس الأوراق دي تتعدم هنا وفي اللحظة دي.»

الحاجة ثريا كانت تترعش، مسكت إيد أحمد وقالت بصوت خافت:

«أحمد… الشركات… الشراكة مع المجموعات الأجنبية هتتفسخ لو التقرير ده وصل للإعلام أو البنك المركزي…»

رديت عليها بثبات ينبع من سنوات الوجع:

«أنا مش عايزة بيتكوا ولا فلوسكوا الحرام. أنا أخد بنتي، والوراق الرسمية بحضانتي ليها وثبوتياتها كاملة، بالإضافة لحقي الشرعي والقانوني في رد كل المبالغ اللي اتسحبت من حساباتي السابقة بفوايدها. والولاد الثلاثة… مريم هي اللي هتقرر مصيرهم، لأنها الأم الحقيقية أمام القانون وأمام ربنا، مهما حاولتم تغطوا الشمس بغربال.»

مريم رفعت رأسها بصدمة ونظرت إليّ، ولم تكن تصدق أنني، بعد كل ما اكتشفته، أدافع عن حقها هي الأخرى.

أحمد حاول يمرر يده في شعره بتوتر:

«نورهان… التفكير ده جنون. إنتِ بتهدي عيلة السيوفي كلها!»

نظرت له بثقة لم أعهدها في نفسي من قبل، وقلت:

«عيلة السيوفي اتهدت من اليوم اللي اعتبرتوا فيه البني آدمين مجرد كروت فكّة في جدول أعمالكم. أنا ماشية دلوقتي مع ليلى… والمحامي بتاعي هيتصل بيك الصبح. لو حاولتم تضغطوا أو تلاحقوني بأي شكل، الورقة الرابعة والتحاليل هتوصل للصحافة وللنيابة العامة في نفس الدقيقة.»

أخذت حقيبتي، ومسكت يد ليلى الصغيرة بقوة.

مررت بجانب مريم، ونظرت في عينيها وقالت لها بهدوء:

«لو عايزة تاخدي حقك من العيلة دي… المحامي بتاعي هيفضل في خدمتك.»

تركتهم في الصالون؛ أحمد متجمد في مكانه، والحاجة ثريا انهارت على الكنبة وهي تحاول تنفس الهواء، ومريم تنظر إلى ولادها بعيون جديدة لأول مرة منذ سنوات.

خرجت من باب الفيلا الكبير، وأنا أسمع صوت الريح في الحديقة الخارجية. ليلى نظرت إليّ وقالت:

«ماما… إحنا مش هنرجع هنا تاني؟»

انحنيت وقبلت رأسها، وقلت بكل إصرار:

«لا يا حبيبتي… إحنا رايحين للمكان اللي هنعيش فيه حقيقيين، ومن غير ما حد يقدر يظلمك تاني.»

 

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى