
عصام عينيه برقت بشرارة أمل مسمومة وقام وقف:
“يعني إيه؟ يعني أقدر أجرّها معايا للنيابة؟”
المحامي ابتسم بخبث:
“مش بس تجرّها.. لو أثبتنا إنها سلمتك كود الحساب والإشعار بنفسها وكان بينكم اتفاق شفهي مثبت بشهود، النيابة هتعيد تكييف القضية كنزاع مدني وخلاف زوجي على أموال مش اختلاس من شركة، وساعتها موقفك هيتغير تماماً وهتخرج بكفالة على ذمة التحقيق!”
عصام ما كدّبش خبر، وخلال ساعات، بدأ المحامي ينفذ الخطة الشيطانية. اتصل بحمايا القديم ومعاه اثنين من قرايب عصام، واتفقوا يزوروا في أقوالهم قدام النيابة، ويشهدوا إنهم كانوا حاضرين قعدة عرب بيني وبين عصام بالليل، وإني أنا اللي عرضت عليه ياخد رقم الحساب ده ويسحب منه الفلوس عشان يشتري الأرض، وبعدها بلّغت عنه عشان أخلص منه وأحبسه!
في نفس الوقت، كنت أنا قاعدة في بيتنا الجديد، برتب حياة جديدة كلياً للبنات. قدمت لهم في مدارس قريبة، وبدأت أجهز أوراق الشقة الجديدة اللي هشتريها رسمياً بتعويض أبويا الله يرحمه بعد ما استلمت الموافقة النهائية من النيابة الحسبية.
وفجأة.. رن تليفوني. كان الأستاذ فريد المحامي، وصوته المرة دي كان فيه نبرة قلق واضحة:
“مدام ياسمين.. لازم تجيلي المكتب فوراً. عصام ومحاميه عملوا حركة غادرة في النيابة اليوم، وقدموا طلب إعادة استجواد وشكوى جديدة ضيدك!”
نزلت جري على مكتب الأستاذ فريد، وهناك قريت العريضة اللي المحامي بتاعهم قدمها. عصام اتهمني رسمياً بالتآمر والتخطيط للإضرار بيه، وجايب شهادة اثنين من قرايبه بيحلفوا زور إنهم سمعوني بعينهم وأنا بتفق معاه على سحب الفلوس!
الأستاذ فريد بصلي وقال:
“المشكلة يا مدام ياسمين إن الشهادة الزور دي لو المشرف على التحقيق اقتنع بصحتها مبدئياً، النيابة ممكن تستدعيكي كمتهمة ثانية في القضية أو شريكة في التسهيل، وده هيعطل شراء الشقة وهيجمّد حسابتك لفترة لحين التحقيق!”
قلبي اتقبض، وحسيت إن الظلم ملوش نهاية، وأن عصام مش عايز يسيبني في حالي حتى وهو ورا القضبان. بس المرة دي ما بكتش ولا ضعفت.. مسحت دموعي وقلت للأستاذ فريد بثبات:
“هو فاكر إن الكذب والشهادة الزور هينقذوه؟ عصام نسي حاجة مهمة جداً.. نسي إن التليفون اللي كان بيهددني منه بالليل، أنا سجلت عليه مكالمته بالكامل لما كان بيصرخ ويقولي ‘الفلوس دي هتتحول الصبح لحسابي غصباً عنك وأنا اللي كلمتي هتمشي’! ونسي كمان كاميرات المراقبة بتاعة البيت لما نزل الصبح وسرق المحفظة والبطاقة من غير ما أعرف!”
الأستاذ فريد ابتسم بابتسامة نصر وقام وقف:
“تسجيل التسليم والتهديد الصريح ده معاكي على التليفون؟”
طلعت تليفوني وشغّلت التسجيل.. صوت عصام كان طالع واضح ومجلجل، فيه كل معاني التهديد والبلطجة والسرقة بالكرُه، مفيش فيه أي أثر لاتفاق أو رضا!
الأستاذ فريد أخد التسجيل وكتب بيه مذكرة طارئة، وأرفق معاها طلب لتفريغ كاميرات المراقبة الخاصة بمحل الموبايلات اللي تحت العمارة، والتي سجلت لحظة خروج عصام الصبح وهو بيتسحب وبيداري المحفظة والبطاقة في جيبه بلهفة وغدر.
في صباح اليوم التالي، انطلقت المواجهة الكبرى في مكتب وكيل النيابة..
حضر عصام من التخشيبة في الحديد، ووشه مليان شماتة وتحدي أول ما شافني داخلة، ومحاميه واقف بثقة ومعاه الشهود الزور.
وكيل النيابة بص لعصام وقال:
“أنت مصمّم على أقوالك إن زوجتك هي اللي سلمتك البيانات ووافقت على السحب؟”
عصام رد بتمثيل وادعاء مظلومية:
“أيوة يا فندم! هي اللي ورطتني وقالتلي الحساب ده فيه الفلوس، واستغلت إن ما بفهمش في أرقام الحسابات عشان تخلص مني وتحبسني! والشهود أهما حاضرين وشهدوا باللي حصل!”
هنا اتدخل الأستاذ فريد بكل هدوء، وحط الفلاشة والسي دي على مكتب وكيل النيابة وقال:
“سعادة المستشار.. بنقدم لسعادتك التسجيل الصوتي المأخوذ بإذن سابق في البلاغ الأول، والذي يثبت بالدليل القاطع التهديد والابتزاز اللي تعرضت له الموكلة قبل الواقعة بساعات، بالإضافة لتفريغ كاميرات الشارع التي تثبت سرقة المتهم لبطاقتها ومتعلقاتها فجراً وأثناء نومها!”
وكيل النيابة شغل التسجيل في المكتب..
صوت عصام ملا الأوضة: “لو انطبقت السما على الأرض الفلوس دي هتتحول لحسابي.. وهشوف مين اللي كلمته هتمشي ومين اللي هيتربى!”
السكوت خيم على الأوضة زي صدمة الصاعقة. وجه عصام اتحول للون الأسود، والمحامي بتاعه وطّى راسة وشال أوراقه في شنطته وانسحب خطوتين لورا. والشهود الزور بدأت ركبهم تتخبط في بعضها من الرعب بعد ما وكيل النيابة بص لهم بنظرة غضب حارقة وقال:
“شهادة زور وتضليل للعدالة وتستر على جريمة اختلاس وتزوير؟ يا حرس! خدو الشهود دول وحطوهم مع المتهم في التخشيبة وعملوا لهم محضر شهادة زور فوراً!”
عصام انهار وقعد على الأرض يصرخ ويبكي:
“سامحيني يا ياسمين! ارحميني يا بنت الناس! والله ما هتعرضلك تاني! بلاش السجن!”
بصيت له من فوق لتحت بجمود وقلت له كلمتين أخيرتين قبل ما الحرس يزقوه للخارج:
“الرحمة دي تطلبها من ربنا اللي استحليت حق أيتامه.. أما أنا فبيني وبينك القضاء والمحاكم، وورقة طلاقي هتوصلك في سجنك!”
خرجت من النيابة وأنا حاسة إن أكبر كابوس في حياتي انزاح. توجهت فوراً للبنك مع الأستاذ فريد، وسحبت مبلغ التعويض كاملاً وشريت بيه الشقة الجديدة باسم بناتي، وأمّنت مستقبلهم للأبد.
وبعد شهرين، صدر الحكم: السجن المشدد ٥ سنوات لعصام بتهم التزوير والاستيلاء على المال العام وخيانة الأمانة، بالإضافة لحكم الطلاق النهائي للضرر مع تمكيني من كافة حقوقي وحقوق البنات.
وقفت قدام باب الشقة الجديدة، وبصيت للشمس وهي بتشرق على حياة جديدة كلياً.. حياة مفيهاش خوف ولا تهديد، حياة بدأتها بدمعة حزن على أبويا، ونهيتها بضحكة نصر وحرية لي وللبنات!




