
رجعت البيت في المساء، كانت أضوائه خافتة، ورشدي يجلس في نفس المكان على الكنبة، يبث “تأخرتي ليه يا ندى؟ المحامي عمل إيه في موضوع بيع الشقة؟ الراجل صاحب الدين يا ندى.. هنجيب الفلوس منين؟”
وقفت أمامه في منتصف الصالة، نظرت في عينيه مباشرة بنظرة حادة خالصة من أي أو خوف، وابتسمت ابتسامة باردة هزت أركانه، ثم قاطعت تمثيليته بصوت هز أرجاء الغرفة:
“بس خلاص يا رشدي.. كفاية تمثيل لحد كدة.. المحامي مش هيبيع ، والمحامي هو اللي فتحلي عيني.. قلّع بقى قناع الفقر والمسكنة ده، وبصلي في عيني وقولي: فين فلوسي؟”
تجمد رشدي في مكانه، واستقرت نظراته على وجهي وهو يحاول استيعاب ما نطق به لساني. تلاشت ملامح المسكنة تدريجياً، وحلت محلها ارتباكات متتالية قبل أن يرتدي mask الذهول والتصنع من جديد، وقف من على الكنبة واستدار نحو وهو يفرك يديه بادعاء الخوف:
“فلوس إيه يا ندى اللي بتسألي عنها؟ أنتِ اتجننتي ولا المحامي لحس دماغك؟ فلوس إيه وأنا عليا ديون ومش لاقي آكل؟”
خطوت نحوه خطوة واحدة بثبات، ورفعت وصلي الإلغاء ورسائل كشف الحساب وصور الشيكات في وجهه:
“فلوس إيجار عمارة المعادي يا رشدي! الـ 100 ألف جنيه اللي بتستلمهم كاش وبشيكات كل أول شهر من سنتين! المليونين و400 ألف جنيه اللي بلعتهم وأنا نازلة أشتغل في حضانة بـ 1200 جنيه وببيع صيغتي عشان أوكلك! فلوس والمحلات اللي اشتريتهم باسمك في التجمع الخامس، والست الهانم اللي الكلمات نزلوا عليه كالصاعقة. شحب وجهه تماماً، وسقطت الترددات والتمثيليات من على ملامحه ليظهر الوجه الحقيقي الوحشي اللي كان يخفيه تحت قناع . احمرت عيناه وبرزت عروق رقبته، وتحول إلى غضب عارم:
“أنا مابتجسسش! أنا أنت مش راجل يا رشدي.. أنت إنسان شفته في حياتي!”
لم يتحمل رشدي انكشاف أمره ولا مواجهتي الحادة. وفي لحظة جنون وطيش، رفع يده وهوى بها على وجهي بصفعة قوية أرجعت رأسي للخلف وأخلت توازني، لأسقط على الأرض بقوة رأسي بحافة الطاولة. الدنيا في عيني لثوانٍ، وتذوقت في فمي.
“أنتِ فاكرة نفسك مين يا روح أمك؟ فاكرة إنك لما تروحي للمحامي وتلغي التوكيل ؟ العمارة دي أنا اللي درتها وأنا اللي تعبت فيها، والفلوس دي حق تعبي! والشقة والمحلات اللي في التجمع مكتوبة باسمي، ورجلك فوق رقبتك هتسكتي وتكملي معايا وأنتِ حاطة جزمة في بقك، وإلا قسم بالله !”
مسحت سحبت من شنطتي ورقة إلغاء التوكيل الموثقة من الشهر العقاري، بالإضافة إلى المحضر الذي حرره الأستاذ فاروق برقم البلاغ، ورميتهم على وجهه بكل قوة:
“تعالي هنا! مش هتخرجي من البيت ده إلا لما توقعي على تنازل!”
لكني دفعت يده بكل قوتي وأمسكت بقطعة ديكور نحاسية ثقيلة من على الطاولة ووجهتها لنحره بحزم:
“لو إيدك لمستني تاني.. هسيب القانون وأخد حقي بإيدي فوراً! ابعد عني يا حرامي!”




