روايات وقصص

كنت راجعة البيت شقة عمي2

شاشة التليفون كانت بتنور باسم الدكتور “مولر”، والرسالة التأكيدية بتمويل السفر لبرلين لمدة سنتين نزلت قدام عيني زي طوق نجاة، أو ربما زي السهم الأخير اللي هيحسم كل حاجة.

رفعت عيني من الشاشة وبصيت لمعتز. كان واقف مستني ردي بنفس مقطوع، عيونه كانت بتتحرك بلهفة بين ملامحي الهدية وبين كوباية الشاي اللي لسه بخارها بيطلع في هواء البلكونة البارد. كان مستني كلمة واحدة تفتح له باب الأمل.. بس هو ما كنش يعرف إن الأبواب اللي بتتفلت برغبة صاحبها، صعب تتفتح تاني لمجرد إن اللي قفلها ندم.

رديت على التليفون بهدوء باللغة الألمانية، أكدت استلامي للمواعيد والتذاكر، وقفلت الخط. التفتّ له بالكامل، وربعت إيدي وأنا ساندة على سور البلكونة.

– الفرصة دي مش ملكي عشان أديها لك يا معتز.. الفرصة دي أنت ضيعتها بإيدك من لحظة ما سمحت لنفسك تحكم عليّ من غير ما تعرفني.

معتز وشها أصفر، ونظرة الرجاء اللي في عينيه تحولت لخوف صريح وهو بيشوف الورقة اللي على شاشة موبايلي:

– سفر؟ أنتِ هتسافري ألمانيا؟ سنتين؟!

– سنتين إتماماً للدكتوراة.. بتمويل كامل وتبادل أكاديمي من المركز.

قرب خطوة كمان، ولأول مرة أشوف دكتور معتز المغرور إيده بترجف وهو بيحاول يمسك طرف الكرسي اللي جنبي:

– بس أنتِ كسبتي التحدي يا فرح! أثبتِ إني كنت غلطان، أثبتِ إنك أفضل مني ومن أي حد عرفته في حياتي.. ليه تبعدي دلوقتي؟ أنا مستعد أغير كل حاجة، مستعد أطلب إيدك من مرات عمي النهاردة قبل بكرة، وسفري معايا إسكندرية، ونبدأ صفحة جديدة تماماً.. صفحة أنا فيها الراجل اللي هيقدرك ويعوضك.

بتسّمت، بس المرة دي الابتسامة مكنتش ساخرة ولا باردة.. كانت ابتسامة شفقة على تفكيره اللي لسه محبوس في نفس الدائرة:

– أنت لسه مش فاهم يا معتز.. للأسف، لسه مش فاهم. أنت فاكر إني عملت كل ده عشان “أثبت لك” أنت بالذات حاجة؟ فاكر إن رحلتي وعفري وتعليمي وسفري كانوا مجرد رد فعل لغرورك؟

سكت لحظة عشان كلامي ينزل عليه زي المطر، وكملت بصوت هادي وثابت:

– أنا عملت ده لنفسي.. ولأبويا الله يرحمه اللي رباني على إن الكرامة والعقل هما القيمة الحقيقية للبني آدم. أنت كنت مجرد محطة عابرة فكرتني بإن الوجع ممكن يكون بداية أمل. الجواز مش مكافأة بتحطهالي بعد ما اكتشفت إن “الجاهلة” طلعت متعلمة يا معتز.. الجواز احترام وتبادل وقبول للروح من الأول، مش بعد ما تمتحنها وتجيب فيها امتياز.

معتز كان بيسمع وكأن الكلمات بتخترق كل جدار بناه حولين نفسه من سنين. مسح على وشه بإيديه بنفاذ صبر ووجع حقيقي:

– يعني مفيش أي أمل؟ كل اللي بيننا انتهى قبل ما يبدأ؟

– اللي بيننا من البداية كان وهم في دماغك يا ابن عمي.. أنت كنت شايفني حمل وتقيل، وأنا دلوقتي طايرة في سما جديدة مش محتاجة فيها إذن من حد عشان أثبت وجودي.

سيبته واقف في البلكونة، الشاي برد، والليل زاد ظلامه، وخرجت للصالة. لقيت مرات عمي “سعاد” قاعدة بتصلي. أول ما خلصت وسلمت، قعدت جنبها على سجادة الصلاة، وحطيت رأسي على رجلها زي زمان.

– بابا سعاد.. أنا جالي القبول النهائي للسفر لألمانيا الشهر الجاي.

مرات عمي ايدها وقفت على شعري، شهقت شهقة خفيفة، بس سرعان ما حطت إيدها التانية على كتفي ودموعها نزلت، بس كانت دموع فخر مش حزن:

– قلبي حاسس يا بنتي.. من يوم ما دخلتي الشقة دي وعينك فيها بريق مش شبه انكسار حد. ربنا يوفقك يا فرح، أنتِ رفعتي رأسي ورأس أخويا الله يرحمه.. بس يا ترى معتز عارف؟

– عارف يا بابا سعاد.. وعارف كمان إن كل شيء قسمة ونشيب، وأن مكان فرح الحقيقي مش في بيته، ولا تحت رحمة نظرة استعلاء من حد.

في اللحظة دي، خرج معتز من البلكونة.. كان شكله طالع من معركة خسارة فيها كل أسلحته. بص لأمه، وبصلي وأنا قاعدة على سجادة الصلاة متمسكة بكرامتي وقراري. كان بيحاول يستوعب إن البنت اللي كان رافضها وبيهرب منها، بقت هي الحاجة الوحيدة اللي بيتمنى رضاها ومسافة سنتين وجبال من الكبرياء بقت بتفصل بينه وبينها.

قرب من أمه، وقعد على ركبه قدامها، وقال بصوت مخنوق وواطي:

– أنا ضيعت كل حاجة يا أمي.. ضيعت الجوهر عشان كنت مدور على القشور.

سعاد بصت له بنظرة فيها ألم الأم، لكنها هزت رأسها وقالت له بثبات:

– الدرس كان قاسي يا معتز.. بس أنت اللي اخترت تدخله بنفسك. وفرح مش بنت يترمي لها طوق نجاة، فرح هي النجاة نفسها.. وأنت خسرتها بجهلك اللي كنت بتتهمها بيه.

الأيام اللي بعد كده كانت عبارة عن عد تنازلي.. ترتيب شنط، تجهيز أوراق السفر، ومعتز يتحول لشبح في البيت، يراقب كل تحركاتي بقلب مكسور ونظرة ندم ما فارقتش عينيه ليلة واحدة، وهو شايف البنت “اللي جاية من ورا الجاموسة” بتحزم أمتعتها عشان تطير لأوروبا، وسايبة وراها درس عمره ما هينساه.

جاء يوم السفر.

الشمس كانت لسه بتشرق على شوارع القاهرة، والدنيا ساكتة وهادية، بس جوه الشقة كان في حركة دافية ومشاعر متلخبطة. الشنط الكبيرة كانت ملفوفة ومحطوطة عند باب الشقة، وفي إيدي الشنطة الصغيرة اللي فيها أوراقي وتذاكر الطيران لبرلين.

مرات عمي “سعاد” كانت واقفة مسكة كوباية مية وبتقرأ عليها آيات الحفظ والبركة، ودموعها نازلة على خدها بصدق. ضمتني لقوة، كأنها بتودّع حتة من روحها، مسحت على رأسي وقالت بصوت مجروح بس مليان فخر:

– ربنا يسعدك يا فرح، ويفتح لك الأبواب المقفولة، ويرجعك لينا بالسلامة وأنتِ جابرة خاطرك ومحققة كل اللي بتحلمي بيه.. أنتِ بنتي اللي ما ولدتهاش يا فرح، وعمري ما هنسى إنك ملَيتي البيت ده نور وكرامة.

بست إيدها ورأسها، ودموعي نزلت بوفاء لست طيبة احتوتني في أصعب أوقاتي:

– أنتِ في مقام أمي الله يرحمها يا بابا سعاد.. وفضلك عليّ فوق رأسي، وتليفوني مش هيقطع كلام معاكي أبداً.

في اللحظة دي، خرج معتز من أوضته.

كان لابس طقم أسود بسيط، ملامحه كانت شاحبة، وتحت عينيه سواد يبين إنه ما ذاقش النوم طول الليل. كان شايل مفاتيح العربية في إيده، وقف قدامي وشفافه بترتعد، والنظرة اللي في عينيه مكنتش نظرة الدكتور المغرور بتاع إسكندرية، كانت نظرة راجل مدرك تماماً حجم الخسارة اللي أكلت قلبه.

قرب خطوتين، وبص للشنط، وبعدين رفع عينيه ليّ وقال بصوت جاف ومخنوع:

– أنا اللي هوصلك المطار يا فرح.. لو سمحتِ، ما ترفضيش الطلب ده. ده آخر رجاء ليّ عندك.

بصيت لمرات عمي اللي هزت رأسها بالرجاء، فأنزلت رأسي بهدوء وقلت:

طول الطريق للمطار، العربية كانت ساكتة. مفيش غير صوت الموتور وصوت الراديو الشغال بوطء شديد. معتز كان ماسك الدريكسيون بإيدين بترجف، وكل شوية يبص عليّ في المراية يعاين ملامحي، كأنه بيحاول يسجل كل تفصيلة في ذاكرته عشان تونس وحدته في الأيام الجاية.

وصلنا مطار القاهرة. نزل الشنط وحطهم على العربية الخاصة بالتفتيش، ووقف معايا عند بوابة الدخول الأخيرة، المحطة اللي بعدها مفيش أي مجال للرجوع.

وقف قدامي، ومسح وشه بإيده، وسحب نفس طويل كأنه بيحاول يجمع شتات نفسه:

– فرح.. أنا عارف إن كلمة أسف مفيش ليها قيمة دلوقتي، وعارف إن السنتين دول هيغيروا فيكي حاجات كتير.. بس أنا عايزك تعرفي حاجة واحدة بس قبل ما تمشي.

سكت لحظة، وعينيه لمعت بدموع حابسه بالعافية:

– أنتِ غيَرتيني يا فرح. غيَرتي تفكيري، وعلمتيني يعني إيه بني آدم بجد. الكلمة اللي قلتها زمان كانت أجهل كلمة خرجت من لساني، وأنا فعلاً اللي كنت الجاهل، الجاهل بجمال روحك وعقلك وكرامتك. أنا هفضل مستنيكي.. هشتغل على نفسي وهتغير، ومستعد أستناكي سنتين، أو العمر كله، عشان بس تديني فرصة أكون الراجل اللي يستاهل يوقف جنبك.

بصيت له بعيون هادية، مفيش فيها غضب، ولا انتقام، ولا حتى حقد. النضج اللي وصلت له خلاني أشوف معتز مجرد درس انتهى، وشخص ربنا حسّنه بسبب الوجع اللي سببه لي.

ابتسمت له ابتسامة راقية وواثقة، وقلت بصوت ثابت هز أركانه:

– ما تستنانجش يا معتز.. متستناش حد عشان تغير نفسك، اتغير عشان نفسك أنت، وعشان تبقى إنسان أفضل للي جاية في حياتك. أنا مش راجعة عشان أكون فرصة ثانية لحد، أنا طالعة أبدأ حياتي الخاصة بيّ. سامحتك على الكلمة، بس المسافات اللي بيننا بقت أكبر من إنها تتصلح بانتظار. خلي بالك من بابا سعاد.. وشكراً على التوصيلة.

مسكت عربية الشنط، ولفيت ظهري بثبات.

خطواتي كانت واثقة، كعبي بيخبط على أرض المطار بثقة أنثى استردت حقها وكرامتها وعقلها من غير ما تنزل لمستوى اللي أهانوها. سمعت صوته من ورايا وهو بينادي بصوت واطي ومكسور:

– فرح…

ما لفتش. كملت طريقي قدام، عدت بوابات التفتيش، وبصيت من الشباك الزجاجي الكبير للمطار. الطيارة كانت مستنية على الممر، والشمس كانت طلعت بالكامل ومالية المكان بنورها.

أنا فرح.. بنت المنصورة.

اللي حاولوا يكسروها بكلمة “جاهلة”، فخلت الكلمة دي الوقود اللي طار بيها للقمة.

دخلت الطيارة، قعدت في كرسي جنب الشباك، ربطت حزام الأمان، ومسحت دمعة دافية نزلت من عيني.. دمعة وداع للماضي، وابتسامة استقبال لمستقبل مش هيقدر فيه أي حد يقلل من قيمتي تاني أبداً.

 

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى