
مر أسبوع على اليوم ده، الشقة كانت عايشة في حالة هدنة غير معلنة. معتز اتغيرت تحركاته تماماً؛ الغرور الصارخ اللي كان بيتحرك بيه قلّ، واستبدله بنظرات مراقبة هادية. كان طول الوقت بيحاول يخلق أي فرصة كلام، يفتح موضوع في السياسة، في الاقتصاد، أو حتى في الأخبار اليومية، عشان بس يسمع طريقة تحليلي وردودي. وكل ما كنت بتكلم بأسلوب متزن وواعي، كنت بشوف في عينيه خليط غريب من الانبهار والندم اللي بيزيد يوم عن يوم.
أما مرات عمي سعاد، فكانت طايرة بيّ في السماء. كل ما حد يزورنا من الجيران أو القرايب، تتكلم عن “فرح الدكتورة” اللي أخذت المنحة وجايبة الامتيازات، ومعتز قاعد يسمع ووشه للأرض، مش قادر ينطق بكلمة تقليل واحدة زي زمان.
في يوم، صحيت على صوت كعب عالي ودوشة في الصالة. خرجت من أوضتي بالراحة، لقيت واحدة لابسة طقم شيك جداً، حاطة ميك أب كامل، ومسكة شنطة ماركة. كانت بتتكلم بنبرة فيها دلع وتكلف واضح. عرفت بعدها إنها “جيهان”، زميلة معتز في الجامعة وإسكندرية، وجاية القاهرة في زيارة عمل ومرت عليه.
معتز كان قاعد معاها، بس أول ما الباب بتاعي اتفتح وخرجت، عينيه جمت عليّ فوراً وساب كلام جيهان في النص.
جيهان بصت لي بفضول وتكابر، ونظرت لي من فوق لتحت بابتسامة باهتة:
– أهلاً.. مين دي يا معتز؟ الدادة الجديدة ولا قريبتكم اللي من الأرياف؟
سعاد مرات عمي وشها احمر وكانت هتقوم ترد بعنف، بس قبل ما حد يتكلم، معتز قام وقف بسرعة، وشكله كان مرتبك ومضايق جداً من كلام جيهان. بص لها بحدة لمحتها لأول مرة في عينيه وقال بصوت حازم:
– دي فرح يا جيهان.. بنت عمي، وباحثة ومترجمة في المركز الثقافي الألماني، ومعاها ماجستير ألسن بدرجة امتياز.
جيهان اتفاجئت، ونظرة التعالي اللي في عيونها اتمحت في ثانية. بصلتي بارتباك وقالت:
– أوه.. آسفة، مش قصدي.. أصل الأسلوب والبساطة وكده..
رديت عليها وانا ببتسم ابتسامة هادية وواثقة، ومشيت ناحية المطبخ أعمل قهوتي:
– ولا يهمك يا فندم. البساطة دايماً بتلخبط الناس اللي بتعتمد على مظاهرها بس عشان تثبت وجودها.
جيهان وشها جاب ألوان، ومعتز حاول يداري ضحكة مكتومة ظهرت على طرف شفايفه، لكن عيونه كانت متعلقة بيّ وأنا بتصرف بكل ثبات ورزانة.
بعد ما جيهان مشيت بساعة، كنت قاعدة في البلكونة بالليل، الهواء كان بارد وجميل، ومسكة كتاب باللغة الألمانية بقرأ فيه. سمعت خطوات خفيفة، ولقيت معتز دخل البلكونة، وشايل في إيده كوبايتين شاي.
حط كوباية قدامي على السور الصغير، ووقف جنبي، وعينيه متثبتة على الأفق:
– الشاي ده بمرمية.. زي اللي بتحبيه.
بصيت للكوباية وبعدين بصيت له ببرود:
– شكراً يا معتز، بس تعبت نفسك ليه؟
سكت شوية، وسحب نفس طويل، صوته المرة دي مكنش فيه أي نبرة غرور، كان صوت واحد مكسور بيحاول يعترف بغلطته:
– أنا أسف يا فرح.
لفيت وشي ليه بذهول خفيف. معتز المغرور، دكتور المستقبل، بيتأسف؟
كمل كلامه بنبرة صادقة وفيها رجفة وجع:
– أنا أسف على كل كلمة قلتها.. أسف إن غروري والشهادة والعيشة بره عموا عيني عن الجوهرة اللي كانت قدامي. أنا كنت غبي يا فرح.. كنت فاكر العلم بالشهادات والمظاهر، لحد ما شفتك وعرفت إن العلم حكمة وأخلاق وثقة. أنا كل يوم بشوفك فيه، بندم على كل لحظة خسرتها وأنا بعيد عنك.. وعلى الكلمة البشعة اللي قلتها عنك في الأول.
كلامه كان طالع من قلبه، ونظرة عينيه كانت مليانة رجاء وإعجاب صريح مفيش فيه زيف. قلبي دق دقة صغيرة، مش عشان بحبه، لكن عشان كرامتي وأخيراً أخذت حقها تالت ومتلت قدام الشخص اللي حاول يكسرها.
سكت لحظات، وبعدين بصلته بثبات وقلت بصوت هادي:
– اعتذارك مقبول يا معتز.. بس الأسف بيصلح الغلط، لكن مش بيمحي الأثر. أنت ما غلتش فيّ بس، أنت حطيت بيني وبينك سور من أول يوم.
قرب خطوة ونبرته بقى فيها ترجي:
– اديني فرصة واحدة أهد السور ده يا فرح.. اديني فرصة أثبتلك إني اتعلمت الدرس، وإني مستعد أعمل أي حاجة عشان تسامحيني بجد، وتشوفيني من جديد.
بصيت له وللكتاب اللي في إيدي، وقبل ما أرد أو أقول أي كلمة، رن تليفوني على الترابيزة.. اسم الدكتور المباشر على رسالتي في ألمانيا ظهر على الشاشة، ومكان مكتوب فيه إفادة القبول النهائي لمنحة السفر لإتمام الدكتوراة في برلين لمدة سنتين.. سفر يبدأ الشهر الجاي!




