روايات وقصص

حكايات امانى السيد

حاولت أقاطعها، أدافع عن نفسي، بس هي رفعت إيدها وقطعت كلامي:

“مش عايزة أسمع مبررات. أنا سألت عنك، وعرفت إنك خرجت من العملية بالسلامة، ده كان كفاية عشان أرتاح ضميرياً. بس اللي ما عرفتوش.. هو إزاي أسامح نفسي إني فضلت مغيبة سنين، وإزاي أرجع أبدأ يومي تاني وأنا شايفة في عيون البنات صورة أبوهم اللي نسي وجودهم في لحظة موته.”

بلعت ريقي بصعوبة، لساني عجز عن الرد. قربت مني خطوة، بصت في عيوني بنظرة أخيرة، وقالت:

“أنا ما زرتكش لأني كنت بموتك جوايا، وبدفن أي ذكرى ربطتني بيك عشان أعرف أكمل. أنا مش عايزة أعاتبك، ولا عايزة أسمع أعذار تانية. اللي بينا انتهى يا أحمد في اللحظة اللي اخترت فيها ‘أمانتك’ التانية ونسيتنا نسيت توصينى على بناتى .. أنا عايزة الطلاق.”

كلمة “طلاق” نزلت عليّ زي الصاعقة، حسيت الأرض بتميد بيا. حاولت أتحايل، أقولها “عشان خاطر البنات”، “عشان العشرة”، بس سمر كانت أخدت قرارها، وبنت سد بيني وبينها، سد لا يمكن يتهد. كانت واقفة قدامي، مش بس بتطلب الطلاق، كانت بتعلن استقلالها عن حياة كنت فاكر إني بملكها، وطلعت هي اللي كانت مملكاني.

الكلمة رنت في وداني كأنها صوت رعد في ليلة شتا، حاولت أستوعب إن دي “سمر”.. سمر اللي كانت بتخاف عليا من نسمة الهوا، بقت واقفة قدامي بصلابة مش قادر أكسرها.

“طلاق؟” قلتها بصوت مخنوق ومكسور، “يا سمر ده إحنا عمر.. ده إحنا سنين وبنات! معقولة عشان غلطة، عشان لحظة خوف من الموت، تهددي كل ده؟”

بصتلي بهدوء مرعب، وقالت: “الغلطة مش في الجوازة نفسها يا أحمد.. الغلطة في ‘الاستغفال’. الغلطة إنك في اللحظة اللي كنت بتواجه فيها ربك، كان عقلك وقلبك ووصيتك مشغولين بيهم هما، مش بينا.. إحنا اللي شيلناك في تعبك ومرضك، إحنا اللي بنينا معاك الطوبة فوق الطوبة، فجأة بقينا بره حساباتك، بره وجودك.. بقيت أنا والبنات مجرد ‘تحصيل حاصل’.”

مشيت ناحية أوضة البنات، ووقفت بتبص للباب، وكملت بصوت مبحوح: “البنات لما عرفوا.. مش هقولك انهاروا، بس اتكسروا. اتكسروا لما عرفوا إن أبوهم اللي بيشوفوه بطل في حياتهم، كان بيخبي عليهم دنيا تانية، وكان بيوصي عليهم الغريب وناسي لحمه ودمه.”

قربت منها، كنت عايز أمسك إيديها، بس بعدت عني كأنها خايفة من لمسي: “مش عايزة أعذار، ولا عايزة أسمع ‘كان قصدي إيه’. اللي حصل حصل، والشرخ اللي في قلبي مفيش أي عملية في الدنيا تقدر تخيطه. أنا مش هحرمك من بناتك، بس بيتك.. بيتك انتهى من اللحظة اللي اخترت فيها إنك تودعني وأنت بتوصي عليا حد غيري.”

قعدت على الكرسي بضعف، وبصيت للأرض، والبيت اللي كان دافي بقى بارد جداً. سمر سابتني وطلعت من الأوضة، وسمعت صوت قفل باب أوضتها وراها.. صوت كان بمثابة إعلان النهاية.

لقيت نفسي لوحدي، في وسط أحلامي اللي اتهدت، وجدران البيت اللي بقت بتسمع صمتي. “الوصية” اللي كنت فاكرها بتأمن مستقبل ابني، كانت هي اللي بتهدم مستقبلي ومستقبل بناتي. طلعت من المستشفى جسدياً، بس روحي فضلت محبوسة في اللحظة اللي نطقت فيها كلمات الوصية، وبدأت أعيش “الموت” الحقيقي.. الموت اللي مفيش بعده رجوع.

مرت الأيام والأسابيع وأنا مكسور، عايش في بيت بقى شبه المتاهة، جدرانه بتفكرني بكل لحظة غلطتها. كنت بحاول أصلح اللي انكسر، بحاول أفتح كلام مع “سمر”، بس كانت بتتعامل معايا بحدود ضيقة، حدود “أب لبناتها” مش “شريك حياة”.

في يوم، لقيتها واقفة قدامي، ملامحها هادية بس فيها حزم مفيش بعده رجوع. قالتلي من غير مقدمات: “أحمد، الموضوع مش محتاج وقت أكتر من كدة. الطلاق مش بس عشان اللي عملته، الطلاق عشان أنا مبقتش شايفة الراجل اللي عرفته زمان. الثقة لما بتتهز من الجذور، مفيش قوة في الأرض تقدر ترجعها.”

حاولت أرد، أقولها إني غلطت وندمان، إن الدنيا كانت ضيقة في عيني، بس قاطعتني ببرود: “أنت كنت بتفكر في ‘الوصية’، وأنا كنت بفكر في ‘العمر’. أنت عشت حياتك في صمت وخوف، وأنا قررت أعيش حياتي بوضوح.. حتى لو كان الوضوح ده طلاق.”

سكتت، وقفت أبص لها وللبيت اللي كنت فاكره مملكتي. لقيت نفسي غصب عني بسأل: “والبنات؟ هتفهميهم إيه؟”

بصتلي وعيونها لمعت بوجع مكتوم: “هقولهم الحقيقة.. الحقيقة اللي أنت قولتها بلسانك في وقت ضعفك، الحقيقة اللي خلتني أشوف إنك كنت بتوزع أماناتك وناسي إننا أمانة أكبر. البنات كبروا يا أحمد، وهما شافوا بعينهم وشعروا بقلبهم، مش محتاجين تفسير.”

في اللحظة دي، أدركت إن “الوصية” اللي كنت فاكرها بتحمي ابني، كانت بتكشف لي إن حياتي السابقة كانت قايمة على خيوط واهية. خرجت من البيت، وقفت في الشارع، والهدوء اللي حواليا كان بيصرخ في وداني. مشيت من غير وجهة، عارف إن “الطلاق” ده مش مجرد ورقة، ده نهاية عالم كامل بنيته بدمي وعرقي، وبإيدي اللي خفت من الموت، دمرت كل حاجة كانت بتديني معنى للحياة.

وقفت قدام باب شقتي، اتأملت آخر لحظة ليّ فيه، وبدأت أدرك إن الندم مهما كان كبير، مش هيرجع اللي راح.. وإن “الوصية” الوحيدة اللي كان لازم أهتم بيها، هي اللي حافظت عليها طول السنين، واللي ضيعتها في لحظة “اعتراف” كانت هي آخر خيوط حياتي القديمة.

وقعت ورقة الطلاق، وكان صوت القلم على الورق زي صوت مقص بتقطع آخر رابط كان بيني وبين عمري اللي فات. سمر مشيت بهدوءها المعتاد، خدت البنات واختفت، وكأنها ما كانتش في يوم من الأيام شريكة عمري.

بدأت صفحة جديدة في بيت تاني، مع مراتي التانية وابني اللي كنت بدعي إني بضحي عشانهم. لقيت نفسي في بيت هادي، فيه كل احتياجاتي المادية، بس كان “بيت” مش “حياة”. مراتي الجديدة كانت بتعمل اللي عليها، بتطبخ، بتنظف، وبتهتم بالولد، بس كان فيه حاجة ناقصة.. حاجة مكنتش قادرة تملأ الفراغ اللي سابته سمر.

بينما أنا قاعد على الكنبة، بشرب الشاي، كنت بفتكر سمر وهي بتقدمهولي بابتسامة، بفتكر نظرة البنات وهما بيجروا عليا أول ما أدخل البيت، بفتكر الدفا اللي كان بيغمرني حتى في عز أزماتنا. مراتي الجديدة كانت ست كويسة، بس “الحنان” اللي كنت باخده من سمر مكنش موجود في تصرفاتها، “الاهتمام” اللي كان بيخليني أحس إني ملك الدنيا، مكنش ليه وجود.

كنت بفضل قاعد ساعات طويلة باصص للحيطان، خيالات سمر وبناتي بتطاردني في كل ركن. ابني الصغير بيجي يقعد جنبي، بضمه، بحاول أحبه، بحاول أعيش الدور اللي رسمته لنفسي، بس قلبي كان في مكان تاني خالص.. كان في البيت اللي دمرته بـ”اعترافي”.

كل ما أحاول أقرب من مراتي الجديدة، ألاقي نفسي ببعد، بقارن بينها وبين سمر في كل تفصيلة صغيرة. هي مش سمر، وعمرها ما هتكون سمر. لقيت نفسي غريب في بيتي الجديد، سجين لندمي، وعايش جسد بس، أما روحي فكانت لسه معلقة في بيت سمر اللي بقيت غريب عنه للأبد.

اكتشفت إن “الوصية” اللي كنت فاكر إنها هتريحني، كانت لعنة بتبتسم في وشي كل يوم، بتفكرني إني ضحيت بالدهب عشان أعيش مع النحاس، وإني مهما حاولت أهرب من الحقيقة، الحقيقة هي إني خسرت كل حاجة عشان سر كان المفروض يفضل مدفون.

انا نسيتهم فى اخر لحظاتى وهما تناسونى

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى