
قفلّت اللاب توب، وبصيت من شباك الطيارة. الأفق كان بيتحول بالتدريج للون الأزرق الساطع مع الشروق.
وصلت مطار هيثرو في لندن. الصالة كانت فخمة وهادية جداً. أول ما خرجت من بوابة المظلومين، لقيت وفد رسمي صغير مستنيني، ماسكين لافتة مكتوب عليها باللغتين العربية والإنجليزية: “أهلاً بكِ دكتورة إيمان نصار”.
اللحظة كانت سريالية.. البنت اللي كانت قبل أسبوع بتدور على حقيبة أكل في مكتب مدرسة العربي، النهاردة ماشي وراها وفد تنظيم دولي بيسهل خطواتها في واحد من أكبر مطارات العالم.
نزلوني في فندق عريق قبالة مقر المؤتمر. قضيت ليلتي براجع الكلمة، مش عشان أحفظها، بس عشان أحس ب كل حرف فيها.
جه يوم المؤتمر. القاعة كانت ضخمة جداً، مبنية على الطراز الكلاسيكي الإنجليزي، وامتلت بالكامل بشركات عالمية، وسفراء، وممثلين عن أعتى الجامعات. الكاميرات والشاشات العملاقة كانت في كل مكان، والبث المباشر كان شغال لجميع أنحاء العالم.
لما نده المذيع الداخلي باسمي: “والآن، مع الكلمة الرئيسية للمؤتمر.. الباحثة إيمان نصار من جمهورية مصر العربية”.
المكان اهتز بالتصفيق. طلعت على المنصة بخطوات ثقيلة وثابتة، لابسة طقمي الأسود البسيط وحجابي، بدون أي مظاهر للبهرجة.
بصيت للجمهور، والشاشات كانت بتعرض صورتي. بدأت اتكلم بالإنجليزي بنبرة واثقة وصوت قوي وصل لكل زاوية في القاعة. اتكلمت عن إن النجاح مش شرط يتربى في أحضان الدعم والمجاملات، وإن أعظم الإنجازات هي اللي بتتولد من رحم التجاهل والخذلان.
قلت في نص الكلمة: “عندما يغيب عنك من كان يفترض بهم أن يكونوا سندك، لا تتوقف.. فالعالم أوسع بكثير من كرسي فارغ في مدرج، واستحسان الناس يزول، لكن الاستثمار في الذات هو الوحيد الذي يبقى.”
القاعة كلها وقفت. المئات من القادة والعلماء والسفراء وقفوا يصفقوا بحرارة لدقائق متواصلة.
في نفس اللحظة دي، في مصر.. وتحديداً في صالة بيتنا القديم، كانت الشاشة متوصلة بالبث المباشر للمؤتمر.
أبويا كان قاعد على الكنبة، ماسك كوباية الشاي وإيده بتترعش وهو شايف بنته اللي قال عليها “فاشلة” واقفة قدام سفراء ودبلوماسيين العالم وبيصفقولها بحرارة. أمي كانت بتبكي بصوت خفيض وهي بتسجل المشهد بموبايلها عشان تبعته لكل جيراننا وقرايبنا، وتامر أخويا كان قاعد على الأرض، فتح كشكول جديد وبدأ يكتب فيه جدول مذاكرته عشان يلحق أول كورس في أكاديمية المنشاوي.. لأول مرة يدرك إن أخته ما انتقمتش منهم بالإساءة، بل انتقمت بإنها بقت أعلى بكثير من إنهم يوصلولها.
بعد ما نزلت من المنصة، جالي منسق العلاقات العامة وسلمني جهاز آيباد، وقاللي: “دكتورة إيمان.. فيه اتصال فيديو عاجل ومهم جداً مستني حضرتِك في الغرفة المغلقة، شخصية رفيعة المستوى حابة تباركلك بنفسها قبل ما الصحافة توصلك.”
دخلت الغرفة، وفتحت الشاشة.. ولقيت الشخصية اللي على الطرف الثاني كانت مفاجأة كفيلة بإنها تقلب كل الموازين وتغير مسار قصتي بالكامل!
فتحت الشاشة وأنا حاطة إيدي على قلبي. الشخصية اللي ظهرت على الطرف الثاني كانت الوزيرة الدكتورة “فاطمة هاشم”، وزيرة التعليم العالي والبحث العلمي بنفسها!
كانت قاعدة في مكتبها والابتسامة مالية وشها، وجنبها على الطاولة المباشرة كان الملف الخاص بتفوقي ومنحتي.
قالت بصوت فيه اعتزاز وفخر شديد: “أهلاً بالدكتورة إيمان نصار.. أنا أتابع كلمتك فوراً من البث المباشر، والجامعة والوزارة هنا في مصر فخورين بيكي لأقصى درجة. كلمتك هزت المحافل الدولية، وصورتك النهاردة هي الواجهة المشرفة لكل طالبة ومجتهدة في مصر.”
أخدت نفس عميق وقلت بامتنان: “شكراً جداً يا فندم.. ده شرف كبير ليا.”
كملت الوزيرة ونبرتها بقت أكثر جدية وتقدير: “إيمان.. أنا مش بتصل عشان أبارك بس. أنا كلمت رئيس مجلس الوزراء والحج إسماعيل المنشاوي، وقررنا صدور قرار جمهوري وتكليف رسمي بإنشائك ‘المركز القومي لدعم المتفوقين العصاميين’ في مصر، وهتكوني رئيسة المبادرة بنفسك بإشراف مباشر من الدولة ومؤسسة المنشاوي أول ما تخلصي الماجستير في أكسفورد. مصر محتاجة عقليتك وإرادتك عشان مفيش طالب مجتهد في أي محافظة يحس إنه لوحده أو إن نجاحه ملوش قيمة!”
الدموع لمعت في عيني، بس المرة دي كانت دموع النصر الكامل. الحلم اللي بدأ بشمعة صغيرة في أوضة ضيقة، ومذاكرة تحت نور السهارة، وكرسي فاضي في حفل التخرج.. بقى مؤسسة وطنية تحمي كل طالب بيعافر في الظلمة.
بعد ما قفلت الاتصال مع الوزيرة، خرجت لصالة المؤتمر الرئيسية. الصحفيين والعدسات كانوا متجمعين، وكل الوسائل الإعلامية المصرية والعالمية كانت بتنشر الخبر العاجل: “قرار رسمي بتعيين الطالبة العصامية إيمان نصار رئيساً للمبادرة الوطنية لدعم المتفوقين”.
في نفس اللحظة، وصلني إشعار على واتساب من رقم أمي.
فتحت الرسالة، كانت صورة صامتة.. صورة لأبويا وهو قاعد في الصالة، وباصص للشاشة اللي فيها خبري العاجل، ولأول مرة أشوف في عينه المزيج الكامل بين الفخر العظيم والندم الحقيقي. كان كاتبلي في رسالة بخط إيده بعتها مع أمي: “يا بنتي.. أنا عرفت إني كنت جاهل، ورأيت النهاردة إن ربنا يعز من يشاء بالعلم، مش بالكورة ولا بالفتاكة. إنتِ بجد رفعتِ رأسنا.. وسامحي أبويكِ اللي كان أعمى عن جوهرتكِ.”
وتامر أخويا بعتلي صورة لشهادة تسجيله الرسمية في كورس الإدارة بالأكاديمية، وكاتب تحتها: “أنا بدأت من الصفر يا إيمان.. وأوعدك هكون إنسان جديد يعتمد على نفسه، عشان أكون يستاهل أكون أخو الدكتورة إيمان نصار.”
قفلت الموبايل، وحطيته في شنطتي. مكنتش محتاجة أرد برسالة ولا بعتاب. الرسالة وصلت، والدرس اتعلموه جميعاً، والعدل الإلهي أخذ مجراه بمنتهى الهدوء والأناقة.
مشيت بخطوات ثقيلة ومرفوعة الرأس في شوارع لندن الماطرة، وأنا متجهة لجامعة أكسفورد عشان أبدأ أول يوم في دراستي للماجستير.
افتكرت كلمتي الأولى في الاستاد: “شكراً للناس اللي مجتش.. عشان الغياب ده علمني كتير”.
والنهاردة، وأنا واقفة في قمة حلمي، بقيت عارفة يقينًا إن الغياب مكنش نهاية القصة.. الغياب كان مجرد البداية اللي أجبرتني أكتشف إن القوة الحقيقية مكنتش في تصفيق أهلي، بل كانت في النور اللي جوايا، النور اللي محدش قدر يطفيه.. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.