
صرخت من الصدمة والوجع، وأنا ماسكة خدي ومش مصدقة. لقيتها جابني من شعري وهو بيصرخ في وشي بصوت مرعب:
* “إنتِ فاكرة نفسك مين يا روح أمك؟ جاية تفرقي بيني وبين أمي وإخواتي؟ جاية تعملي لي فيها هانم وتقعدي فوق وأمي تحت بتخدم؟ الحاجة اللي تيجي من أهلك تدخل البيت تحت ورجلك فوق رقبتك، وأمي كلامها يمشي عليكي جزمة فوق رأسك!”
أنا كنت بصرخ وبترجاه:
* “حرام عليك يا محمود! افهم مني الأول! أنا والله ما عملت حاجة!”
لكن قسوته وعماية كلام أمه كانوا أسرع من أي رحمة.. نزل فيا ضرب بالليالي والأقدام، كان بيضرب بغل وكأنه بيفضي كبت وسيطرة أمه فيه. فضلت أصرخ وأستغيث لحد ما صوتي اتقطع، وجسمي بقى كله حروق وزرقان، وراسي اتخبطت في طرف الترابيزة ودمي سال على السجاد. سابني مرمية على الأرض مغمي عليا وطالع برة الشقة ورزع الباب.
تاني يوم الصبح..
الشمس طلعت، وأنا كنت لسه مرمية مكان على الأرض، مش قادرة أحرك حتة في جسمي، وشي متورم وعيني مقفولة من الضرب، وهدومي متقطعة ومتبهدلة دم.
في الوقت ده بالظبط، كانت عربية أبويا وأمي وiخويا الكبير واصلة عند البيت تحت.. أصل النهاردة ميعاد الزيارة الأسبوعية الكبير، وجايبين معاهم خيرات ربنا كلها، طيور وفطير ومشلتت وخضار، وجايين بضحكتهم وفرحتهم يطمنوا على “العروسة الجديدة”.
أمي كانت شايلة الشيل ومستعجلة، طلعت على السلم وهي بتنده بضحكة مالية البيت:
#الكاتب__رومانى__مكرم
* “يا بت يا عروسة! افتحي يا قلب أمك، جايبينلك الخير كله النهاردة!”
محدش رد، فإخويا زق الباب اللي كان محمود سايبه متأرب ومفتوح سنة صغيرة..
ودخلوا الشقة.. وكانت الصدمة اللي هدت البيت كله على رأسهم!
أمي سابت الشيل من إيدها والأطباق اتكسرت على الأرض، وأبويا وإخويا اتسمروا مكانهم والذهول والرعب جمد الدم في عروقهم، وهما شايفين العروسة الجديدة اللي بقالها شهر متجوزة.. مرمية على الأرض في دمها، وشها متشوفش من كتر الضرب والمتورم، وجسمها زي الجثة الهامدة!
أمي صرخت صرخة شقت سكون البيت والبلد كلها، صرخة طلعت من حشاشة جوفها وهي بتتحدف عليا، ووقعت على ركبها جنب جسمي المرمي على الأرض. كانت إيديها بترتعش وهي بتمس بصباعها الدم الناشف على وشي وشعري اللي كان مغطى بالتراب والدم.
* “بنتي! الحقني يا حاج.. بنتي ! العروسة يا ناس! يا مري يا قهرتي عليكي يا بكرية أمك!”
أبويا، الراجل الطيب اللي ظهره اتدنى من الشقا عشان يجهزني ويسترني، واقَف زي الصخرة المهدودة، عينيه اتسعت على آخرها، والشيل والخير اللي كان شايله في إيديه وقع على السلم، البيض اتكسر واللبن اتدفق على العتبة، وجسمه كله بدأ يترعش بغضب مرعب عمرنا ما شفنا زيّه. أخويا الكبير “أحمد” جاب ألم في ثانية، نزل على ركبه ورفع راسي على إيده وهو بيصرخ وبيهزني:
* “فتحي عينك يا سمر! مين عمل فيكي كده؟! مين اللي جرىء يمد إيده على أختي؟!”
أنا كنت سامعة أصواتهم زي ما أكون تحت المية، حاسة بكل كلمة بس جفوني كانت تقيلة زي ومش قادرة أفتح عينيا المتورمة، لساني كان ناشف ومش طالع منه غير فحيح ضعيف: “أحمد.. الحقني.. محمود وأمه..”
في اللحظة دي، سمعنا صوت خطوات سريعة وطالعة على السلم، كانت حماتي ومحمود، طالعين ينزلوا الزيارة والخير اللي أهلي جابوه، ومكنوش متوقعين إن الباب مفتوح وإن أهلي دخلوا وشافوا المنظر ده.
حماتي أول ما دخلت وشافت أبويا وأخويا واقفين، حاولت تستغبي وتعمل نفسها متفاجئة، وقفت بثبات وقسوة وقالت بكل بجاحة:
* “إيه ده! في إيه يا جماعة؟ مالكم داخلين بشركم كده؟ بتصوتوا ليه على الصبح؟”
أبويا لف ليها، ولأول مرة في حياتي أسمع صوت أبويا بالشدة والقوة دي، صوته زلزل جدران الشقة وهو بيشاور عليا:
* “بشرنا؟! إنتِ بتسألي عن شرنا يا ولية يا خرفانة؟! شوفي بنتي! شوفي العروسة اللي أمانة في رقبتكم عملتوا فيها إيه! مين اللي ضربها كده؟ مين اللي نهى عليها؟!”
محمود اتنحنح ووقف ورا أمه، كان بيحاول يبان شجاع بس عينيه كانت بتروح وتيجي في الأرض وفي وش أخويا أحمد اللي كان عينيه بتطلع شرار. محمود رد بتأتأة وبصلابة مزيفة:
* “يا حاج.. دي بنتك مش متربية! جاية تتشرط علينا وترفض تنزل لبيت العيلة ومبتسمعش كلام أمي، وأنا أعدتها وعرفت أربيها، وفي بيتي وأنا حر مع مراتي!”
الكلمة مكملتش في بوق محمود، أخويا أحمد قام زي الأسد المجلوع من سلاسله، ما اداش لمحمود فرصة يكمل، وبقبضة إيده نزلت على وش محمود وقعته في الممر بين المطبخ والصالة. أحمد هجم عليه ومسكه من زوره وبقى يضرب فيه بكل قوته وهو بيصرخ:
* “تضرب مين يا ابن الكلب؟! بكتفك يا نطع تمد إيدك على واحدة ست؟! دي أختي اللي يسوى راسك وراس عيلتك!”
حماتي بدأت تصرخ وتلطم على وشها وتصوت بصوت عالي عشان تلم الشارع والبيت:
* “الحقوني يا ناس! الصعايدة دخلوا بيتي ابني! الحق يا عبد الصمد.. الحقوا محمود!”
في ثواني، كان السلم مليان بنساء ورجالة منبيت العيلة والشارع، إخوات محمود نزلو يجروا ورا بعض وشالوا أحمد بالعافية من فوق محمود اللي كان وشه بقى ينزف من ضرب أحمد. الشقة اتحولت لساحة حرب وصراخ، وأمي كانت حاضناني وبتعيط بدموع حارقة، وبتمسح الدم من وشي بطرحتها وهي بتقول:
* “حسبي الله ونعم الوكيل فيكم! أخدتوا بنتي وردة فتحة، ترجعوهالي جثة؟! والله ما هنسيبهالكم، والله لو على رقابنا ما هتقعد في البيت النجس ده دقيقة واحدة!”
أبويا كان واقف في نص الشقة، مسك عكازه ورفعه في وش الكل، صوته كان حاسم وواضح وميهبهوش حد:
* “الكلام خلص! بنتي مش هتقعد هنا ثانية واحدة. وإنت يا محمود.. الشرف والرجولة منك برية، ومعدش ليك عندنا حاجة غير الحق والشرع!”
حماتي وقفت بثقة وقالت وهي بتعدل طرحتها وبتتحدى:
* “تاخدوها فين؟ دي على ذمة راجل! وما تخرجش من البيت ده إلا بإذنه، وإلا نرفع عليها قضية طاعة ونشهّر بيها في البلد كلها! وأي حاجة جوه الشقة دي، طيور أو جهاز، دي ملك البيت، ومفيش قشة تخرج من هنا!”
أبويا بص لها بنظرة احتقار هزت كيانها، وقال بثبات يهد جبال:
* “القوانين والبيوت ليها رجال يمشوها يا حجة.. وبنتي مش هنسيبها للكلاب تاكلها. أحمد.. شيل أختك!”
أحمد شالني بين إيديه وأنا مغمى عليا شبه غايبة عن الوعي، وأمي لفت الطرحة حوالين جسمي، وأبويا مشى قدامنا يفتح الطريق وسط أهالي البلد اللي اتجمعوا تحت البيت وكلهم مبلمين ومصدومين من شكل العروسة اللي طالعة متقطعة بالضرب. حماتي وإخوات محمود قعدوا يصرخوا ويهددوا من البلكونة، ومحمود واقف وراهم ماسك وشه وبينزف، عينيه مليانة غيظ وغدر.
نزلوني وركبوني العربية، وساق أخويا بسرعة رهيبة على مستشفى المركز. هناك، الأطباء والممرضات اتلموا عليا، ودخلت غرفة الطوارئ، وكانت التقرير الطبي هو الصدمة التانية اللي استنت أهلي..
التقرير كشف عن ارتجاج خفيف في المخ، وكسر في ضلعين من القفص الصدري، وكدمات ساطعة في كل شبر من جسمي، وقطع محتاج خياطة في فروة الراس.
أبويا كان قاعد بره الغرفة، ماسك سبحته وحاطط راسه بين إيديه، ولما خرج الدكتور وقالهم على حالة التقرير الطبي وإن ولازم يبلغوا الشرطة فوراً لأن دي قضية شروع في أفضى لإهاتة جسيمة، أمي بصت لأبويا وقالت:
* “هنعمل إيه يا حاج؟ هنبلغ ونفضخ روحنا والعروسة اللي ملهاش شهر؟”
أبويا رفع راسه، عينيه كانت مليانة دموع بس فيها ثبات الجبال، وقام وقف وقال بصوت يهز المكان:
* “الفضيحة مش للي انظلم يا أم أحمد.. الفضيحة للظالم اللي افترى! المحضر يتعمل فوراً، وبنتي حقها هيتاخد بالقانون وبالأصول.. والبيت ده لازم يتربى!”
في نفس الوقت، تحت في بيت العيلة، كانت حماتي قاعدة مع عيالها ومحمود حاطط ثلج على وشه، وكانت بتدبر وتخطط للخطوة الجاية عشان تقلب الترابيزة علينا وتطلع هي المظلومة قدام أهل البلد والنيابة…




