قصص وروايات

عزومه حكايات رومانى مكرم 3

قمت وقفت، ونفضت عبايتي بثبات وقلت له: “أنت فاكر إن الكلام ده هيغير حاجة؟ أنت مش مجني عليه يا فلان.. أنت جاني. أنت اللي وافقت تكون أداة، أنت اللي سمحت لأمك تطرد بابا وماما، وأنت اللي اتمادت في التزوير وخيانة الأمانة. أمك زرعت الشوك، وأنت حصدته بإيديك. والست اللي اتجوزتها في السر، والديون، والسجن.. دي عقوبة ربنا ليك في الدنيا قبل الآخرة.”

مسك طرف الترابيزة وصرخ بالدموع: “ارجوكي يا فلانة! سامحيني! اطلبي من أباكي يتنازل عن قضية النفقة والتمكين، أنا كده هطلع من السجن على الشارع ماليش أي حاجة! أمي ضحكت عليا وأنا بقيت على الحديدة!”

بصيت له بابتسامة نصر صغيرة وقوية وقلت له: “حق أهلي وكرامتهم ما بيتباعوش ولا بيتشتروا. الشقة أخدتها بالقانون، والقائمة والدهب استرديتهم، والطلاق أخدته برقعة رقبتك.. وأنت هتقضي سنتك وثلاث سنينك في السجن بتفكر في اللحظة اللي طردت فيها أهلي من بيتك. سلام يا فلان.”

لفيت ظهري ومشيّت بخطوات واثقة، وصوته وهو بينادي عليا وبيعيط بيتردد في الأوضة، بس الباب الحديد اتسد ورايا وحجب صوته للأبد.

خرجت الشارع، والشمس كانت ساطعة ودافية. بابا وأخويا استقبلوني بالأحضان، بابا مسك إيدي وقالي: “خلصت يا بنتي؟”

قلت له مرفوعة الرأس: “خلصت يا بابا.. والصفحة السودة دي انطوت للأبد.”

مرت الشهور.. ورجعت لحياتي ولنفسي. بدأت أطور من شغلي، وفتحت مشروعي الخاص في الطبخ والحلويات من البيت، بس المرة دي بحب وبشغف ولناس يقدروا تعبي، والمشروع كبر وبقى لي اسم وسمعة ممتازة.

أما حماتي؟ فبعد ما ابنها اتسجن والفضائح لفت المنطقة والعيلة كلها، أهل زوجته الثانية استولوا على الفلوس اللي كانت معاها بحجة ديونهم القديمة، وطردوها من بيتهم. أصبحت بتلف على قرايبها تدور على لقمة ومأوى، والكل بقوا يتهربوا منها ومن عزوماتها اللي كانت بتتبهر بيها، بعد ما عرفوا إنها كانت بتطعمهم من عرق وقهر عروسة مظلومة.

وفي يوم، وأنا قاعدة في شغلي الجديد ومبسوطة بوسط أهلي، رن جرس الباب.. فتحت، ولقيت شخص ما كنتش متوقعة إني هشوفه تاني أبداً واقف قدامي، ومحمل بمفاجأة جديدة هتغير كل الخطط اللي كنت فاكرة إنها استقرت…

وقفت قصاد الباب ودمي جمد في عروقي لثواني. الشخص اللي كان واقف قدامي ما كانش حد غير أخت حماتي.. الست اللي كانت بتيجي مع عيالها كل أسبوع تقعد وتأكل المحشي والبشاميل وأنا واقفة على رجلي في المطبخ بالساعات، الست اللي سمعت أختها بتهينني وتطرد أهلي وكانت بتضحك وتهزر وكأن مفيش بني آدمة بتتكسر قدامها!

بس المرة دي، ما كانتش الست الهانم المتألقة اللي بتدخل تتأمر. كانت واقفة ولابسة عباية دبلانة، وشها شاحب، وتحت عينيها سواد يبين إن الأيام دارت عليها وجمعت كل حساباتها. وكانت ماسكة في إيدها شنطة سوداء كبيرة، وجنبها بنت صغيرة غلبانة باين عليها الخوف والكسرة.

بصيت لها بجمود ورفعت حتة من حسبي وأنا ماسكة الباب بثبات وقلت ببرود: “خير يا هانم؟ جاية ليه وبيتكوا اللي هناك أظن اتقفل بالضبة والمفتاح، ومفيش هنا محشي ولا كفتة ولا حد يخدمكم.”

الست أول ما سمعت كلماتي، عينيها اتملت دموع، ونزلت على إيدها تحاول تمسك إيدي وهي بتشهق بصوت مكسور: “يا بنتي سامحيني.. وحياة أغلى ما عندك اسمعيني بس خمس دقائق! أنا مش جاية أطلب منك أكل ولا جاية أدافع عن أختي.. أنا جاية أنقذ رقبتي من ذنب كبير، وجاية أرد لك حاجة أختي كانت مخبياها عنك وعن الدنيا كلها!”

بابا وأخويا سمعوا الصوت وخرجوا وقفوا ورايا. أخويا أول ما شافها، خطى لقدام وقال بحدة: “أنتِ إيه اللي جابك هنا؟ أنتِ وأختك ما سبتوش فينا حتة سليمة، اتفضلي امشي من هنا بدل ما أطلب لك الشرطة!”

الست بكت بحرقة وقالت لبابا: “يا حاج فلان.. وحياة ربنا أنا مظلومة في الحكاية دي وشربت من نفس الكأس! أختي المفترية دي ما سابتش حد ما أذتوش. هي بعد ما ابنها اتسجن، راحت عاشت عندي في البيت، وبدل ما تتعدل، بدأت تعمل معايا ومع عيالي نفس اللي كانت بتعمله مع بنتك! كانت عايزة تمشي البيت على مزاجها وتسرق مصاريفنا، ولما وقفت في وشها، طردتني من بيتي واستولت على فلوس التجارة اللي كانت بيني وبين جوزي المرحوم!”

وقفنا كلنا بنسمع بذهول من حجم السواد اللي جوة الست دي! أختها اللي كانت بتساندها وتيجي تحضر العزومات، بقت هي الضحية الجديدة لجبروتها وطمعها.

كملت أخت حماتي وهي بتفتح الشنطة السوداء المربوطة بإحكام: “أختي لما سابت شقتك قبل ما تتمكنوا منها، راحت لمستودع قديم تحت العمارة، وكانت مخبية فيه صندوق خشبي مقفول. أنا شفتها وهي بفتحه بالليل وبتقلب في أوراق وشهادات ذهب وحاجات غريبة. ولما اتخانقت معاها وطردتني، استغليت إنها برة وفتحت الصندوق وركبت التاكسي وجيت لك هنا فوراً.. الصندوق ده فيه حقك وحق ناس ثانية أختي كانت نصبت عليهم من سنين!”

فتحت الشنطة وطلعت صندوق خشبي قديم عليه قفل مكسور، وحطته على الترابيزة قدام بابا. بابا قرب بهدوء، وفتح الصندوق، وبدأ يقلب في الأوراق اللي جواها.. وفجأة، عيون بابا وسعت، وشه يتغير، ورجعت إيده لوراء وهو بيقرأ ورقة معينة بصوت مكسور ومذهول!

الورقة كانت عقد بيع ابتدائي ومسجل لقطعة أرض كبيرة ومبنى في البلد باسم أم جوزي (حماتي)، والأرض دي كانت ملك لأبويا أنا من أثر من 15 سنة! بابا كان بايع الأرض دي لتاجر زمان والتاجر ده نصب عليه واختفى بالفلوس، اتاري التاجر ده ما كانش غير أخو حماتي الشقيق! وهما اتأمروا مع بعض وسرقوا شقى عمر بابا، وحماتي هي اللي كانت كاتبة الأرض باسمها ومخبية العقود طول السنين دي!

يعني الجوازة دي كلها من أولها لآخرها ما كانتش صدفة! حماتي وجوزي لما عرفوا إنني بنت فلان، أصروا على الجوازة عشان يكسروا عين بابا، وعشان يضمنوا إن بابا ما يتدورش على حقه في الأرض أو يشك فيهم، ولما شافوا إنني ممكن أعرف أو أطلب بحق أهلي، قرروا يطفشوني ويطردوا أهلي عشان أخرج بكرامتي المكسورة وأسيب كل حاجة ورايا!

أنا وقفت مش قادرة أستوعب البجاحة والغل.. البيت اللي كنت بظن إنني دخلته بعقد جواز شرعي، كان عبارة عن شبكة عصابية خططت لسرقة شقى بابا وكسرة نفسي ونفس أهلي!

أخويا مسك الأوراق وإيديه بتترعش من الغضب وقال: “يعني الأرض اللي ندبت صحة بابا عشانها وفضلنا طول عمرنا بنسدد في ديونها، كانت تحت إيد الست دي؟!”

أخت حماتي هزت رأسها بالبكاء وقالت: “أيوه يا ابني.. هي وأخوها عملوا الحركة دي زمان، وعاشوا من خير الأرض دي، وكانت دايماً تتباها قدامنا إنها كسبت الحرب ضد أباكم وقدرت تكسر عينكم وتستغل بنتكم خدامة عندها بدال الفلوس اللي كانت فاكرة إنها حقها!”

بابا قعد على الكرسي، وحط إيده على قلبه. جريت عليه وأنا بدمع وقلت: “بابا.. ارجوك أهدي، حقك رجع، ربنا ما بيسبش حد مظلوم!”

بابا رفع رأسه ونظرته اتغيرت تماماً.. المرة دي ما كانش فيها حزن ولا كسرة، كان فيها جمر شعلة انتصار وعدالة. بص لأخويا وقال له بنبرة حاسمة هزت البيت: “اتصل بالمحامي فوراً يا ابني.. الأوراق دي مش بس بترجع لنا أرضنا وشقانا، دي توديها وتودي أخوها السجن جنب ابنها المزور! ربنا جابهم تحت رجلين بنتي لحد بيتها!”

أخت حماتي قالت بتوسل: “أنا اديتكم الصندوق عشان خايفة من ربنا، وعشان تبعدوا شرها عني وعن بنتي.. أرجوكم ما تدخلونيش في المشاكل.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى