
الشركة اللي ضحيت بفريدة عشان ترقيتي فيها، بعتتلي جواب إنهاء خدمة بعد ما غبت أسابيع ومبقتش أرد على تليفوناتهم. المنصب والمظاهر والبدل الشيك اللي كانت كل همي، بقوا مجرد كراكيب مركونة في الدولاب بتاكلها العتة. بقيت عايش على المسكنات والمهدئات، وكل ما عيني تغفل دقيقة، أسمع فحيح صوتها المبحوح وهو بيترجاني، أو أشوف نظرة عينها المكسورة وهي بتمسح دموعها قبل ما تنزل من العربية.
في ليلة من ليالي الشتا، وأنا قاعد في الصالة في الضلمة، حسيت بألم حارق في زوري. كتمت أنفاسي وافتكرته دور برد عادي، بس الألم بدأ يزيد مع كل نفس باخده، وبدأ يمتد لرقبتي وصوتي يختفي تدريجياً.
لما الألم مبقاش يُحتمل، نزلت المستشفى بنفسي الفجر. دخلت الطوارئ، والدكتور حوّلني فوراً لاستشاري أنف وأذن وحنجرة.
قعدت على نفس الكرسي اللي فريدة قعدت عليه من سنة. الدكتور دخل المنظار من مناخيري لزوري، وبدأ يفحص وهو ساكت، وكل ما يمر الوقت، ملامحه كانت بتتقبض وتتحول لجمود مرعب.
طلع المنظار، وقلع الجوانتي ببطء شديد، وبصلي بنفس النظرة اللي حفظتها زمان، وقال:
“للأسف يا أستاذ كريم، التهاب مزمن وتحور عنيف في خلايا الأحبال الصوتية ناتج عن صدمة عصبية وإهمال شديد.. فيه أورام ليفية واكلة نص الحنجرة، ولازم استئصال كامل للأحبال الصوتية خلال 48 ساعة عشان نلحق نوقف انتشارها”.
بصيت للدكتور وأنا مش مستوعب. حاولت أتكلم، حاولت أسأله، أصرخ فيه، بس كل اللي خرج من حنجرتي كان فحيح مكتوم وتافه.. نفس الفحيح اللي كنت بقرف منه زمان.
خرجت من المستشفى تايه في الشوارع تحت المطر. كنت بضحك بهستيريا ودموعي نازلة تحرق في خدي.
العقاب مكانش مجرد ندم، العقاب جه من نفس الباب اللي ظلمت منه. أنا اللي كنت بتباهى بصوتي وحضوري ولبقاتي، هعيش بقية عمري أخرس، أكتب في كشاكيل زي ما هي كانت بتكتب، وأستنى شفقة الناس ونظرات فضولهم اللي كنت مرعوب منها.
رجعت الشقة، قعدت على مكتبي، وطلعت نفس الكشكول الأزرق بتاع فريدة. مسكت القلم بإيدين بترتعش، وفتحت الصفحة اللي بعد كلامها الأخير، وكتبت سطر واحد بس قبل ما أدخل العمليات:
“الذنب مكنش في صوتك يا فريدة.. الذنب كان في روحي اللي كانت صماء وعمياء من البداية”.
العملية خلصت، وخرجت منها وأنا مش حاسس غير بفراغ بارد بيبلع زوري، وثقب صغير في رقبتي بتنفس منه بالعافية.
أول ما فوقت من البنج، حاولت أنده على الممرضة.. فتحت بوقي، بس مفيش ولا ذرة صوت طلعت، حتى الفحيح البسيط اللي كنت بتكلم بيه اختفى تماماً. الصمت بقى هو لغتي الإجبارية لبقية عمري.
الدكتور دخل، طبطب على كتفي بنظرة شفقة كنت بموت من مجرد تخيلها، وسابلي كشكول أبيض وقلم فلوماستر أسود على الكومودينو وقال بهدوء: “ده وسيلة تواصلك من هنا ورايح يا كريم.. حمد لله على سلامتك”.
بصيت للكشكول الأبيض، ولقيت صورة فريدة وهي ماسكة كشكولها الأزرق بتنط في خيالي. سبت المستشفى ورجعت على شقتي القديمة، بس مكنتش نفس الشقة، كانت متحف لذكريات بتجلد فيا ليل نهار.
مرت تلات سنين.. تلات سنين اتعلمت فيهم معنى العجز الحقيقي. بقيت أنزل السوبر ماركت كاتب طلباتي في ورقة، والناس تبصلي بنظرات تعاطف مصحوبة بابتسامة باهتة كنت زمان بشوفها إهانة، وبقت دلوقتي أقصى أمانيَّ. بعت عربيتي الغالية، وقفلت حساباتي على السوشيال ميديا، وعزلت نفسي عن دايرة معارفي القديمة كلها؛ الناس اللي كنت خايف من نظرتهم ومظهرتي قدامهم، ولا واحد فيهم كلف نفسه يسأل عني بعد ما بقيت “من غير صوت”.
في يوم جمعة، قررت أزور قبرها. دي كانت المرة الأولى اللي أجرؤ فيها أروح من بعد يوم العزا.
المقابر كانت هادية، وريحة التراب مع هواء العصر عاملة سكون غريب. قعدت على ركبي قدام الشاهد اللي مكتوب عليه اسمها، وحطيت إيدي المرتعشة على الرخام البارد.
طلعت الكشكول الأزرق بتاعها من جيبي، كان متبهدل ومتقطع من كتر ما مسكته وقريت كلامها آلاف المرات. قعدت أعيط في صمت مطبق، دموع بس من غير أي شهقة ولا صوت بكا طالع من صدري. كنت عايز أصرخ في التراب وأقولها إني بتعاقب كل يوم، وإن كل ثانية بتمر عليا في صمتي هي عقاب عادل على الثانية اللي خجلت فيها منها.
وفجأة، حسيت بإيد صغيرة بتتحط على كتفي.
اتلفتت ببطء، لقيت طفلة صغيرة عندها حوالي ست سنين، ملامحها بريئة ولابسة فستان أبيض، وفي إيدها وردة بلدي شكلها قطفاها من جنينة قريبة. الطفلة بصتلي بابتسامة صافية، ومسكت طرف كمي ومدتلي الوردة.
وراها على طول، ظهرت ست كبيرة في السن بتجري عليها بخوف، ملامحها كانت مألوفة جداً.. دي كانت خالة فريدة، بس مكنتش واخدة بالها مني في الأول.
الست أول ما عينيها جت في عيني اتجمدت، وشها اتملى غضب وألم، بس لما شافت الخرطوم الصغير اللي في رقبتي، والكشكول اللي في إيدي، ووشي الشاحب والشيب اللي ملا راسي في سن التلاتين، نظرة الغضب اتحولت لذهول وصدمة ممتزجة برحمة غريبة.
قربت من الطفلة وسحبتها براحة، وبصتلي والدموع اتجمعت في عيونها وقالت بصوت هادي يقطع القلب:
“فريدة قبل ما تسافر الليلة دي مع أبوها.. قعدت تبكي في حضني بالساعات يا كريم. مكنتش زعلانة منك ولا بتدعي عليك، كانت بتدعي ربنا يهديك ويسامحك عشان كانت عارفة إنك ضعيف وغرتك الدنيا”.
سكتت شوية ومسحت دمعتها وكملت:
“ربنا يسامحك يا ابني.. ويا ريتك اتعلمت الدرس قبل ما تدفع التمن ده كله”.
مسكت إيد البنت ومشيت، وسابتني لوحدي قدام القبر.
مسكت الوردة اللي الطفلة سابتهالي، وحطيتها على رخام القبر جنب اسمها. فتحت الكشكول على آخر صفحة بيضا، ومسكت القلم، وكتبت جملة أخيرة وقفلت الكشكول وسيبته هناك، مدفون في الرمل جمبها:
“أنا اتعلمت يا فريدة.. بس بعد ما فات الأوان، وبعد ما السكوت بقى الحقيقة الوحيدة اللي بستحقها”.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



