
عادل مسك في الكلام وزعق: “أنا مش هسيب بنتك وابني في المستشفى دي دقيقة واحدة، ولو مش عاجبكم هطلقها دلوقتي حالا وأخدهم بره!”
أبويا بص له ابتسامة قاسية جداً، وطلع من جيبه ورقة، وحطها في إيد عادل وقال له كلام خلّى عادل يتسمر في مكانه، ويركبه الرعب من ساسه لراسه…
مسك عادل الورقة وإيديه بتبدأ اترعش، عيون كانت رايحة جاية بين أسطر المطبوعات الرسمية وختم النسر الحي المتغرق في حبر أحمر تقيل. الابتسامة المجهزة اللي كانت على وش أبويا تحولت لملامح صارمة كأنها صخر جرانيت، والممر كله في المستشفى بقى ساكت سكون تام، حتى الممرضات والدكاترة اللي كانوا متابعين المشادة وقفوا خطواتهم عشان يفهموا إيه السر اللي في الورقة دي.
الورقة كانت عبارة عن إنذار رسمي صادر من المحكمة، ومعاها محضر إثبات حالة موثق بالتاريخ والساعة من قسم الشرطة، يثبت امتناع الزوج عن إنفاق مصاريف العلاج العاجل لرضيعه وتحديث حالة الإهمال بحق طفل قاصر، إضافة لإقرار شامل بكل ديونه السابقة ومبالغ التأمين اللي اندفعت باسمه.
أبويا قرب خطوتين من عادل، وحط إيده على كتفه بضغط هادي بس ثقيل جداً، وقال بصوت واطي ومسموع للكل:
“الورقة دي مش بس إثبات إنك رفضت تعالج ابنك يا عادل.. الورقة دي معاها قائمة بالدعاوى اللي جاهزة تترفع عليك في القضاء، من نفقات متأخرة، لإثبات قسوة وإضرار، لطلب تمكين من الشقة بجميع محتوياتها. إنت كنت فاكر إن الأصول اللي اتعاملت بيها معاك المرة اللي فاتت كانت ضعف مني أو خوف على شكل البيت؟ إنت فهمت الطيبة غلط. الراجل اللي يفرط في نقطة دم من ابنه عشان قرشين، ما يتعاملش بالقعدة العرفية والقعدة الودية تاني.. ده يتعامل بالقانون والمسطرة.”
عادل وشه اتخطف تماماً، اللون الدموي اللي كان محمر في عينيه من الغضب اختفى وحل مكانه صفار الخوف، ريقه جف وبقى بيحاول ينطق كلمة مش عارف، يبص للورقة ويبص لأبويا، وبعدين يلتفت لي وأنا قاعدة على الكرسي ماسكة البيبي ومغمية عيني مش قادرة أستحمل منظره وهو بيتصاغر للمرة الثانية، بس المرة دي السقطة كانت أكبر بكثير.
قال عادل بصوت ومتقطع:
“يا عمي.. إنت بتوصلها للمحاكم والقضايا؟! ده إحنا بينسَب وعشرة! إزاي تعمل فيا كده وأنا جوز بنتك وأبو حفيدك؟!”
رد عليه أبويا وهو بيلتف وبيمشي ناحية أوضة البيبي بكل ثبات:
“النسَب والعشرة إنت اللي بعتهم لما سيبت ابنك بيموت من السخونية وقلت لي ‘مش عامل بنك لحسابكم’. المحاكم مش عيب، المحاكم بيتجاب بيها حق الضعيف من المفترس، وإنت استقويت على مرتك وابنك عشان فاكرهم مالهمش ضهر، ونسيت إن أباها لسه حاي وواقف على رجليه.”
دخل أبويا الأوضة وقفل الباب بالراحة، وساب عادل واقف في وسط الممر قدام الدكاترة، متسمر في مكانه، الورقة بتتهز في إيده، مش عارف يعمل إيه ولا يروح فين. الدكتور المتابع للطفل قرب من عادل وحط إيده على كتفه وقال له بنبرة عتاب جافة:
“يا أستاذ.. الولد جاي هنا بحالة جفاف حاد وسخونية لو كانت استمرت ساعتين كمان كانت أثرت على مخه. حقيقي المبلغ مش كبير قصاد حياة طفلك، عيب إن الأب يفاصل في صحة ابنه بالشكل ده.”
الكلام نزل على عادل زي الجمر، حاس إن الدنيا كلها بتنزل عليه، الكبرياء المزيف اللي كان عايش بيه والدفاتر اللي كان بيحسب بيها كل مليم اتبخرت في لحظة. مسك تلفونه برعشة، ومشي في الممر وهو بيكلم والده وأعمامه بصوت مبحوح:
“الحقوني يا جماعة.. الحاج أحمد رفع عليا قضايا وبيخرجني من كل حاجة، والبيت هيضيع مني!”
على مدار الثلاث أيام اللي قضاهم البيبي في المستشفى، الشحناء كانت على أشدها. عادل ما فارقش المستشفى، بس مكانش بيقدر يدخل الأوضة. كان بيقعد على كراسي الانتظار بالليل والنهار، ينام ساعة ويقوم مرعوب، كل ما يشوف دكتور طالع أو داخل يجري يسأله على حالة الولد. أمي كانت بتطلع له في الممر تديله أكل أو مية، وكان يرفض ياكل ويقولها ودموعه في عينيه:
“يا أمي قوليلها تسامحني، قولي للحاج أحمد أنا غلطان تحت رجليه، بس بلاش القضايا والمحاكم.. أنا شغلي في الغردقة يضيع وسُمعتي تتدمر لو المحضر ده اتفعل!”
أمي كانت بتبص له بأسى وتقول له:
“إنت اللي عملت في نفسك كده يا عادل.. الفلوس كانت عامية عينيك، وكنت فاكر إنك لما تضغط على سمر هتكسب، ما عرفتش إنك بتهد بيتك بيديك.”
في اليوم الرابع، خرجنا بالبيبي من المستشفى بعد ما أتحسنت حالته بفضل الله. أول ما طلعنا من باب المستشفى، لقينا عمومة عادل ومعاهم أبوه واقفين مع أبويا في الساحة الخارجية. كان في جو من الشحناء والترقب، أعمامه بيحاولوا يهدوا أبويا، وأبوه كان واجم ومش قادر يبص في وش أبويا من خجل تصرفات ابنه.
عم عادل الكبير قرب من أبويا وقال له:
“يا حاج أحمد، إحنا مقدرين غضبك وحقك فوق راسنا كلنا، واللي عمله عادل مع ابنه في المستشفى جنان وقسوة ما يرضيش ربنا ولا عبد. بس إحنا أهله وجايين نضمنه، بلاش توصل بين العيلتين للمحاكم والشرطة، اكتب شروطك وحقك كله إحنا ضامنينه برقابنا.”
أبويا بص لجموع الرجالة الواقفين، وبعدين بص لعادل اللي كان واقف وراهم، وشه دبلان وهدومه متبهدلة من كثر السهر والتفكير، وقاله بصوت صارم:
“يا حاج.. أنا ما بجريش وراء قضايا ولا عايز أؤذي حد، بس أنا لي شرط واحد ووحيد وما فيهوش فصال، ولو أتحقق أنا هسحب كل الورق ده دلوقتي قدامكم.”
الجميع التفت لأبويا بلهفة، وعادل خطى خطوة لقدام وقال: “شرط إيه يا عمي؟ أنا موافق على أي حاجة!”
أبويا بص لعادل بثبات وقال له الكلام اللي صدم الكل وجمد الدم في عروق عادل…
ساد صمت رهيب في الساحة الخارجية للمستشفى، الكل واقف مستني يسمع شرط الحاج أحمد اللي هيحدد مصير العيلة دي كلها. عادل كان باصص لأبويا بلهفة ورعب، أ كأنه مستني حكم إعدام أو طوق نجاة، وإيديه الاتنين مشابكهم في بعض وبيترعشوا بشكل ملحوظ.
أبويا بص لعادل بعيون حادة زي السيف، وقال بصوت جهوري هز الساحة:
“شرطي الأول والأخير يا عادل.. إنك تتنازل رسمياً عن كل صلاحياتك المالية في التحكم بمصاريف بيتك ومرتك وابنك، وتعمل لعقد الشقة ونصف الممتلكات اللي حيلتك باسم سمر وابنك، ويكتب بيك تعهد بآلية صرف شهرية ثابتة تتحول في حساب بنكي باسم سمر في أول كل شهر. مش هسيب بنتي تحتاجل قرش منك ولا تترجى منك مصاريف علاج أو أكل، ولا هسمحلك تحسب عليها اللقمة بالورقة والقلم تاني. وإذا رفضت.. يبقى القضايا اللي في الورقة دي هتمشي في مجراها، وصدقني مش هترجع الغردقة غير وأنت خسرت شغلك وسمعتك وحريتك بفضل المحاضر اللي اتعملت!”
الكلمات نزلت على عادل وأهله زي الصاعقة! عمومه بصوا لبعض بصدمة، وأبوه اتنفس بصوت عالٍ وقال وهو مذهول:
“يا حاج أحمد.. أنت كده بتتجنى عليه وتجرده من كل حاجة! ده بيته وشغله وشقا عمره، إزاي يكتب نص حيلته وينزل عن القوامة المالية بالشكل ده؟!”
التفت أبويا لأبو عادل بمنتهى الثبات والبرود، وقال له:
“القوامة يا حاج بتبقى للراجل اللي بيصون وبيصرف، مش للراجل اللي بيستخسر اللبن والعلاج في ابنه وهو بيموت من الحرارة عشان يوفر كام ألف! ابنك أثبت إنه غير أمين على حياة طفل وكرامة ست، وأنا مش هسيب بنتي تحت رحمته بكلمة ‘حق الجواز’. يا يقبل الشرط ده ونضمن حق البنت والولد بالقانون والورق، يا كل واحد يروح لحاله والمحاكم بينا!”
عادل جاب ورا بسرعة، وبص لأبوه ولعمومه وهو بيبكي بصوت واطي ومكسور:
“أنا موافق يا عمي.. أنا موافق على كل اللي تقوله! والله العظيم أنا موافق، بس بلاش المحاكم وبلاش تضيعني وتضيع ابن مني!”
عمومه حاولوا يتدخلوا ويهدوا الموضوع ويطلبوا تخفيف الشروط، بس أبويا كان ماسك موقفه زي الجبل، ولا إتعصب ولا صرخ، كان بيتكلم بالورق وبمنطق القوة اللي عادل هو اللي أجبر الجميع عليه. بعد ساعتين من الشد والجذب في مكتب المحامي، وقع عادل على كل الأوراق والتنازلات والتعهد البنكي الصارم وهو حاسس إنه أكل أكبر درس في حياته، درس علموا إن البخل والقسوة ومحاولة إذلال الناس بالفلوس، نهايتها بتكون خسارة كل حاجة.
رجعت الشقة مع عادل بعد يومين، بس المرة دي كانت الشقة مختلفة تماماً.. الدفاتر القديمة أتقفلت بالدموع والدم. عادل بقا يدخل البيت وهو مكسور العين، بيحاول يعوضني عن كل اللحظات القاسية اللي عشتها معاه. بقا يبص لي بتهيب واحترام شديد، وكل شهر الفلوس بتتحول في حسابي من غير ما أنطق ولا أطلبه بمليم، وبقا هو اللي يتوسل لي عشان أسمح له يشتري حاجة للولد أو يجيب طلب للبيت من جيبه الخاص.
لكن الأيام مكانتش ناويالنا على هدوء بجد.. بعد مرادي بسنة كاملة، وفي الوقت اللي كنا فاكرين فيه إن أمورنا استقرت وحياتنا دخلت في السكة الصح، جه كارت تحذير جديد هز الشقة من جديد، بس المرة دي السهم مكانش جاي من عادل.. المرة دي السهم جه من أهله اللي أضمروا الحقد لأبويا و ليا من يوم ما وقع عادل على أوراق التنازل!
في ليلة من الليالي، وعادل مسافر في الغردقة كالعادة، جرس الباب رن بصوت قوي ومتواصل في وقت متأخر من الليل. فتحت الباب بحذر، ولقيت حماتي وأخت عادل واقفين وشهم أسود ومشحونين بالغل، ودخلوا الشقة من غير استئذان ولا سلام.
حماتي بصت لي بنظرة كلها كره وقالت لي بصوت واطي ومسموم:
“انفردتي بيه وضحكتي عليه وخليتي أباكي يجرده من حيلته يا سمر؟ فاكرة إنك كده كسبتي والأوراق دي تحميكي؟ وحياة دموع ابني اللي نزلت قدام الرجال، الشقة دي والأرض دي هترجع، وأنتِ هترجعي بيت أباكي حافية ومش حيلتك ملطوش واحد!”
وقفت قدامها وأنا مش خايفة زي زمان، ورفعت رأسي وقلت لها:
“ابنك هو اللي هد بيته بإيده يا أم عادل، وأبويا ما أخدش غير حق ابن ابنك وحق كرامتي. والبيت ده أنا مش قاعدة فيه بمنة حد، أنا قاعدة فيه بكرامتي وبحق أولادي.”
هنا طلعت أخت عادل تلفونها وحطته في وشي، وعرضت عليّ فيديو مصور ومكالمة مسجلة كانت صدمة العمر بالنسبة لي، حاجة مكانتش على البال ولا على الخاطر، خلت الأرض تدور بيا والدم يتجمد في عروقي…




