
سقطت الأوراق من يد ريهام على الطاولة، وشعرت بزلزال يضرب كيانها. تسعة أعوام كاملة قضاها مدحت وهو يوهمها ويوهم أهله بأن المانع منها، تركها تتجرع مرارة الشعور بالذنب، وتتنقل بين عيادات الأطباء وتتحمل الآلام الجسدية والنفسية لعمليات الحقن المجهري والفحوصات القاسية، في حين كان هو يعلم يقيناً أنه السبب، واستغل صبرها وصمتها ليحملها عقاباً لم تكن طرفاً فيه، بل وتمادى في طغيانه ليجلب لها ضرة ويحاول سلبها شقتها وعرقها!
قال الأستاذ مراد بنبرة أسى: “مدحت كان يخفي هذا التقرير خوفاً من الشكيمة والمظهر أمام أهله ومجتمعه، وقرر أن يضحّي بكِ وبشبابكِ لتظلي القفص الذي يحمي سرّه. وهو الآن يترجاكِ بهذا الاعتراف وهذا المستند لتسديد ثمن ظلم السنين، مقابل أن تقبلي التصالح وتنزلي بالتهمة من سرقة بالإكراه إلى مشاجرة عادية، ليخرج بحكم مخفف أو مع وقف التنفيذ بعد أن أمضى أشهر الحبس الاحتياطي.”
وقفت ريهام على قدميها، وجمعت أوراقها بثبات لم يعهده المحامي من قبل. لم تعد هناك دموع في عينيها، بل كان هناك يأس واحتضار لآخر طيف للمواجد أو الحسرة على رجل لم يعرف للإنسانية أو المروءة معنى.
في صباح اليوم التالي، اكتظت قاعة محكمة الجنايات بالحاضرين. جلس مدحت في قفص الاتهام بملابس السجن البيضاء، وجهه شاحب للغاية وجسده نحيل، وأمه الحاجة فايزة تجلس في الصفوف الأولى تئن وتبكي وترفع يديها بالدعاء.
دخلت ريهام القاعة ترتدي ثوباً أسود أنيقاً، تمشي بخطوات واثقة وهامة مرفوعة، وبجوارها شقيقها والأستاذ مراد. تلاقت عينها بعيني مدحت قبالة القفص؛ كان ينظر إليها بنظرة توسل ذليلة، يستجدى في عينها عفواً أو نظرة عطف تبقيه بعيداً عن غياهب السجن.
نُودِيَ على القضية، ووقف الأستاذ مراد أمام رئيس المحكمة، وقدم مذكرة ختامية تُفند الواقعة، ثم أخرج إقرار الاعتراف والتقرير الطبي، وقال بصوت هز جنبات القاعة:
“سيادة الرئيس.. الموكلة لا تطلب انتقاماً، ولا تطلب سوى إرساء العدل. نحن نقبل التسوية المالية والمدنية ونتنازل عن الشق الشخصي في الدعوى بعد استرداد كافة الحقوق والممتلكات المغتصبة وإظهار الحقيقة كاملة أمام الأهل والمجتمع ببراعة موكلتي من أي ذنب، لكننا نترك الشق الجنائي والعدالة الجنائية لهيئة المحكمة الموقرة لتقرر ما تراه رادعاً لمن استغل القوة وتعدى على حُرَمات الطريق العام والسكن.”
عمّ الصمت أرجاء القاعة لدقائق، قبل أن تصدر المحكمة حكمها النهائي: قبول الصلح في الشق المدني والتنازل الشخصي، وتعديل القيد والوصف للجريمة، مع معاقبة المتهم مدحت بالسجن لمدة سنة واحدة مع الشغل والنفاذ عن تهمة التعدي وترويع المواطنين، وإلزامه بالمصاريف والتعويض المالي المناسب.
طارت الصرخة من فم الحاجة فايزة وسقطت مغشياً عليها في القاعة، بينما انهمرت الدموع من عيني مدحت وهو يُساق مكبلاً بالأغلال نحو محبسه لقضاء عقوبته، بعد أن فقد عمله، وسمعته، وشقته، وزوجته الجديدة، وانكشفت سوأته وسره الذي خبأه تسع سنوات أمام العائلة والجميع.
خرجت ريهام من المجمع القضائي، واستنشقت هواء الصباح النقي وهي تنظر إلى السماء. رفعت رأسها وقالت بابتسامة صافية: ” الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.”
عادت ريهام إلى شقتها، الشقة التي اشترتها بمالها وشقائها. فتحت النوافذ ليدخل شعاع الشمس الدافئ، وبدأت رسم لوحاتها وتصميماتها الجديدة لمكتبها الهندسي المستقل. كانت في السابعة والثلاثين من عمرها، لكنها شعرت أن حياتها الحقيقية، المليئة بالكرامة والحرية والسلام النفسي، قد بدأت للتو.




