قصص وروايات

حكايات نور محمد 4

أحمد قعد على الكنبة وهو مش قادر يتنفس، التعب والجزع في كتفه كانوا بيعصروه من الوجع. أنا جرت جبتله مية، وحطيت علبة القطيفة على الترابيزة قدامه.

أنا وقفت قدامه وبكيت بانهيار:

— لحد إمتى يا أحمد؟ لحد إمتى هنفضل نتهرب ونخاف؟ أُمك وأختك في السجن، وأهل مدحت مطاردينّا في الشوارع، وعيلتك كلها بايعاك! الفلوس والدهب دول بقوا لعنة علينا!

أحمد مسك علبة الدهب القطيفة، فتحها وبص للدهب اللي بيلمع جوة، وبعدين رفع عينيه وبصلي بنظرة كلها وجع بس فيها كبرياء ينطح السحاب:

— الدهب ده مش لعنة يا روضة… الدهب ده هو الميزان اللي كشف المعادن الحقيقية. كشف إن أُمي كانت فاكرة إني ملكها وأني هسكت على سرقتها، وكشف إن أختي جوزها نصاب، وكشف إن عيلتي عيلة فوت وتغطية على الباطل. لو كنت سكتت من أول يوم وعطيتهم الدهب، كانوا بكرة أخدوا اللقمة من إيدنا، وبعده رمواكي في الشارع!

في اللحظة دي، تليفون أحمد رن.

الرقم كان غريب… رقم أرضي.

أحمد فتح السبيكر وحط التليفون على الترابيزة.

جاء صوت ثقيل، وبطيء، وفيه نبرة تهديد مرعبة مش زي صوت الحاج متولي… ده كان صوت “أبو مدحت”، الراجل الكبير بتاع عيلة مدحت، اللي عمره ما اتكلم ولا اتدخل إلا في الدم!

قال الصوت من التليفون:

— مساك بالخير يا أحمد يا ابن الحاج متولي… أظن عرفت صوته مين؟

أحمد رد بثبات رغم التعب:

— عرفتك يا حاج. خير؟

أبو مدحت نطق ببرود يرعب النفوس:

— الخير إنك تعقل. إنت حبست كبيتي، وحبست ابني، وأخدت فلوس المزرعة وشايالها مع مراتك. إحنا لحد الوكت ده بنتعامل معاك كابن عيلة ونسب. بس نسوانا في التخشيبة دي حاجة مش هتنزل من زورنا أبداً. قدامك 24 ساعة يا أحمد… يا إما تنزل النياية بكرة الصبح وتمضي التنازل وتخرج سناء وسمر وتدفع كفالة مدحت من الفلوس اللي معاك… يا إما بكرة زي الوكت ده، مش هتدور على دهب مراتك… هتدور على مراتك نفسها!

التليفون اتعلق في وشنا!

الصوت كان صدى في الأوضة الهادية. أنا جمدت في مكاني، الشربات وقعت من إيدي واتكسرت على الأرض.

أحمد قام وقف على حيله بسرعة، وشه اسود من الغضب، ومسك التليفون وكان هيحدفه في الحيطة، بس مسك نفسه.

بصلي وهو بينهج وصوته طالع زي النار:

— بتهددني بمراتي يا ابن…؟ والله العظيم لأوريك الرجولة على أصولها!

أحمد مسك تليفونه واتصل بالأستاذة نيفين، وقال جملة واحدة بس هزت الشقة:

— أستاذة نيفين… جهزي أوراق القضية كلها. إحنا مش هنستنى الجلسة… إحنا هنرفع قضية حجر، وقضية رد اعتبار، وهنبلغ الأمن الوطني بالتسجيل والتهديد ده الليلة!

الليلة دي، الليل ما مرش علينـا. كان أطول ليلة في حياتي.

أحمد ما غمضش عينيه لحظة واحدة. كان رايح جاي في الصالة بتاعة بيت أختي، ماسك تليفونه ومش بيسيبه. التهديد بتاع أبو مدحت صابني برعب غير طبيعي، كل حركة برة الشارع، كل صوت جزمة على السلم كان بيخلي قلبي يقف وأتخيل إنهم وصلوا للعنوان ونازلين يكسروا الباب علينـا.

على الساعة أربعة الفجر، الأستاذة نيفين المحامية اتصلت بأحمد.

فتحت السبيكر وصوتها كان مشحون بالجدية والسرعة:

— أستاذ أحمد… التسجيل بتاع مكالمة أبو مدحت أنا فرغته وأرفقته في محضر رسمي عاجل بإرهاب وتهديد بالخطف والقتل في مبنى الأمن العام والنيابة الكلية! التهديد بإنهم يمسوا الزوجة نقل القضية من مجرد خناقة عيلة وجناية اقتحام، لقضية أمن عام وتشكيل عصابي!

أحمد بصلي بنظرة كلها إصرار وقالها:

— وإيه الخطوة الجاية يا أستاذة؟ الرجالة دول مش هيرتدعوا بالكلام ورسائل الواتساب، دول صعيدة وعصابات، وأبو مدحت ده بياع كلام ودمه تقيل!

ردت الأستاذة نيفين بصوت ثاقب:

— رئيس المباحث أخد أومر مباشرة بالتحرك. النيابة الكلية أصدرت قرار بضبط وإحضار أبو مدحت وإخواته الأربعة بتهمة إدارة تشكيل عصابي والتهديد بالخطف والابتزاز! القوة الأمنية نازلة دلوقتي تداهم بيوتهم في المنطقة وعمارة مدحت! بس الأهم يا أحمد… الجلسة بتاعة تجديد الحبس لأمك وأختك سمر الصبح الساعة عشره، والمرة دي النيابة طلبت حضورك الشخصي وحضور زوجتك للإدلاء بأقوالكم في التهديد الجديد!

قمت وقفت وأنا برتعش وقلت:

— نروح النيابة تاني يا أحمد؟! دول واقفين برة وممكن يترصدوا لينا في سكة المحكمة!

أحمد قرب مني، مسك إيدي الأثنين وضغط عليهم بقوة عشان يثبتني، وبص في عيني بجمود يرعب:

— مش هيهوبوا ناحيتنا يا روضة… اللي بيستخبى ورا التهديدات بيبقى جبان. والنهاردة هيدفعوا تمن كل كلمة وكل لحظة رعب عشتيها من يوم ما أمي مدّت إيدها على دهب أمك!

على الساعة تمانية الصبح، ما نزلناش ناخد تاكسي من الشارع زي المرة اللي فاتت.

الأستاذة نيفين بعتت لنا عربية خاصة حراسة تابعة لمكتبها، ونزلنا تحت حراسة مشددة. الشوارع كانت زحمة، بس أنا كنت حاسة إن العيون كلها بتراقبنا. أول ما وصلنا مجمع المحاكم، كان المنظر مختلف تماماً عن امبارح.

المرة دي، سيارات الشرطة كانت مالية الميدان قدام المحكمة.

أول ما نزلنا من العربية، شفت المفاجأة اللي أثلجت صدري وخلت دموعي تنزل…

أبو مدحت وإخواته الأربعة كانوا واقفين على سلالم المحكمة بالكلبشات!

القوة الأمنية كانت داهمت بيوتهم الفجر، وجابوهم متكلبشين ومربوطين في بعض بالحديد بعد التهديد المكتوب والمكالمة المسجلة!

أحمد وقف على السلالم، وبص لأبو مدحت اللي كان وشه أسود زي الطين، وكبريائه المزعوم اتمسح بالأرض وهو مقيد بالحديد قدام الناس والجيران.

أبو مدحت بص لأحمد بعيون مليانة غل وهو بيحاول يرفع رأسه، وقال بصوت مبحوح:

— فاكر إنك كسبت يا أحمد؟ حبست العيلة كلها؟ حبست النسوان والرجالة؟!

أحمد قرب منه خطوة واحدة، وبص في عينيه ببرود شديد وقاله بصوت واطي بس كل حرف فيه كان زي السيف:

— إنت اللي اخترت طريقة اللعب يا حاج… هددتني بمراتي، وافتكرت إنك فوق القانون. اللي يمد إيده على حرمة بيتي أو يهددها، أقطعهاله بالقانون وبشرع ربنا. إنت وولادك هتنوروا التخشيبة جنب مدحت وجنب أمي وأختي، عشان تتعلموا يعني إيه احترام بيوت الناس!

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى