روايات وقصص

حكايات امانى السيد 2

في اللحظة دي بالضبط.. الشاشة اتحولت للون الأحمر الصارخ، وظهرت رسالة بالنبط العريض:
[ تم ضبط المحاولة.. تم حظر المعاملة وتوثيق الاختراق الائتماني بواسطة قطاع إدارة المخاطر المركزية ].

فريد اتخشّب في مكانه، وشه اصفرّ والدم هرب من عروقه: “إيه.. إيه ده؟ أنتِ عملتي إيه؟!”

نادين بابتسامة نصر سردت كل سنوات تعبي: “أنا ما فتحتش الاعتماد يا فريد.. أنا عملت ‘مصيدة الائتمان’. البصمة اللي أنت حطيتها دي دلوقتي مش عشان تحول الفلوس لسويسرا، دي كانت الإقرار الرسمي الإلكتروني اللي بيثبت إنك المالك الحقيقي والحساب الموازي لشركات الأوفشور، وإن الهواري وطارق كانوا مجرد أدوات عندك!”

فجأة، الباب الجانبي للمكتب اتفتح.

دخل اللواء صلاح مع المستشار رئيس نيابة الأموال العامة العليا، ووراه فريق كامل من الرقابة الإدارية ومباحث الإنترنت، ومعاهم أجهزة التسجيل المباشر اللي كانت بتنقل الواقعة بالصوت والصورة لغرفة العمليات بالمجلس الأعلى للبنوك!

المستشار بصرامة: “فريد النويري.. أنت متلبس الآن بمحاولة تهريب ٢٠٠ مليون دولار واستغلال سلطاتك البنكية والتستر على شبكة غسيل أموال وتزوير. والملف القديم اللي كنت بتهدد بيه نادين هانم؟ الأوراق الأصلية الموثقة بتوقيعك الإلكتروني تحت إيد النيابة العامة من فجر النهاردة.”

فريد رجع لورا بذهول، الرعب شل حركته، وبصلي ونبرة صوته كانت بتترعش من الغل والانهيار: “أنتِ.. أنتِ دمرتي كل حاجة! أنتِ خططتي لده من أمتى؟!”

قربت منه، وحطيت الكارنيه الذهبي الجديد في جيب جاكيته الفخم، وقلتله بمنتهى الثبات والشموخ: “من اللحظة اللي صحيت فيها على ريحة الشياط ولقيت بدلتي الرسمية متقطعة.. تعلمت إن الست لما تقرر تحمي بيتها ومستقبلها، بتقفل الحسابات الحرام، وبترجع كل مجرم وحرامي لحجمه الطبيعي.”

الضباط كلبشوا إيدين فريد النويري، وسحبوه بره المكتب وسرقات صدمة الموظفين بتملأ الممرات، وهو بيسحب رجليه زي جثة هامدة فقدت كل سلطتها وكرامتها.

وقفت في نص مكتبي، الشمس المشرقة مالية القاعة البانورامية، تليفوني رن برسالة من المحامي:

“نادين هانم.. صدر حكم مبدئي اليوم بحبس شريف وطارق ٧ سنوات مشدد، وزينات وكاميليا ٣ سنوات بتهم الاشتراك والتزوير والتستر، وتم التحفظ النهائي على جميع أملاكهم لصالح البنك.”

مسحت الرسالة، وقفلت التليفون.

لكن قبل ما أتنفس الصعداء، السكرتيرة سارة دخلت بتجري وهي وشها أبيض زي القماش، ومسكت سماعة التليفون الداخلي وهي بترتعش:

“نادين هانم.. المفرقعات والشرطة طالعين فوراً للدور بتاعنا! البوابين لقيوا طرد ملغم باسمك محطوط في عربيتك تحت المبنى.. ومكتوب عليه كارت باسم ‘المجلس الأعلى للأوفشور’!”

نزلت مع قوات المفرقعات لساحة الانتظار أسفل المبنى، المكان كان متقفل تماماً بحواجز أمنية، ورجال المباحث والخبراء بيتعاملوا مع الطرد بحذر شديد.

المستشار رئيس النيابة واللواء صلاح كانوا واقفين متابعين المشهد. بعد دقائق من التوتر، خبير المفرقعات رفع رأسه وأشار للجميع بالاطمئنان.. الطرد مكنش فيه أي مواد متفجرة، كان مجرد هيكل وهمي ومحاكاة لتهديد نفسي، وجواه صندوق خشب صغير.

فتح خبير المفرقعات الصندوق بحضور الضباط، وطلع منه ملف مضغوط والكارت الأسود الأنيق.

المرادي الكارت مكنش فيه تهديد، كان مكتوب عليه بخط ذهبي:
“إلى المديرة الإقليمية نادين.. التقييم: تم اجتياز الاختبار بنجاح ساحق. ‘المجلس الأعلى للأوفشور’ لا يحارب الأذكياء، بل يضمهم.”

اللواء صلاح أخد الملف وقراه بذهول، وبعدها بصلي ونظراته فيها مزيج من الدهشة والارتياح: “نادين.. الطرد ده فيه الوثائق الكاملة للشبكة الدولية اللي كانت بتدير فريد النويري والهواري! هما ضحوا برأس الأفعى والكبار بتوعهم، وبعتولنا الأدلة الحاسمة لإنهاء القضايا دي تماماً، وكأنهم بيقدمولك صفقة هدنة واعترفوا بذكائك.”

ابتسمت بهدوء وثقة، وأخدت الكارت من إيد الخبير ورميته في صندوق القمامة: “أنا مابعملش هدن مع مجرمين يا صلاح.. الدلائل دي هتروح للنيابة، والملف ده هينقفل بالقانون وبصمت.”

مرت ستة أشهر..

في صباح يوم جديد، كنت واقفة في نفس قاعة مجلس الإدارة الكبرى في البنك الرئيسي. لكن المرة دي، مكنش في أي توتر، ولا تهديدات، ولا بقايا أوراق محروقة.

رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، وبحضور محافظ البنك المركزي، كان بيسلمني قرار تعييني رسمياً في منصب رئيس قطاع إدارة المخاطر والرقابة الائتمانية على مستوى الجمهورية، لأكون أول امرأة تتولى هذا المنصب القيادي في تاريخ البنك.

التصفيق كان بيملا القاعة، والصحفيين والمصرفيين بيتقاطروا لتهنئتي.

في نفس الوقت، كان المحامي هشام واقف في ساحة المحكمة المجاورة، وبيبعتلي الرسالة الأخيرة على الواتساب:

“نادين هانم.. تم صدور الأحكام النهائية الباتة اليوم:

* السجن المشدد ١٥ سنة لفريد النويري وعبد المجيد الهواري وطارق الألفي مع رد المبالغ والمصادرة.
* السجن المشدد ٧ سنوات لشريف، مع النفاذ، وتم إلزام شركته بالتعويض.
* السجن ٣ سنوات لكل من زينات وكاميليا، وتم نقلهم لسجن القنايات لقضاء العقوبة.
* تم تنفيذ حكم الخلع نهائياً، وتسليمك كافة مستحقاتك القانونية، وإغلاق كل القضايا والملفات رسمياً.”

قفلت شاشة الموبايل، وحطيتها في جيب البدلة الرسمية السوداء الفاخرة اللي اشتريتها بنفسي من شغلي وعرقي.

بصيت لنفسي في المراية الكبيرة قبل ما أطلع لإلقاء كلمة الترقية أمام الصحافة. افتكرت اللحظة اللي صحيت فيها على ريحة الشياط، والمقص اللي كان في إيد زينات، والضحكة الصفرا بتاعت كاميليا، والبرود اللي رد بيه شريف لما قال لي “الهدوم بتتعوض”.

افتكرت كل ده، وابتسمت ابتسامة انتصار حقيقية وصافية.

هما افتكروا إنهم لما يقطعوا هدومي ويحرقوا كروت البنك هيدمروا حياتي أو يكسروا نفسي.. مكنوش يعرفوا إنهم باللي عملوه ده، حرروني من أكبر عبء كنت شايلاه على كتافي، وفتحوا لي الباب عشان أثبت لنفسي وللعالم كله إن القوة الحقيقية للست مش في السكوت ولا التضحية على حساب كرامتها، القوة في عقلها، وعملها، واستقلالها.

أخدت نفَس عميق، رفعت راسي بثقة، وخطوت أول خطوة على منصة التتويج، وأنا عارفة إن الحسابات اتقفلت.. والدرس اتعلموه للأبد.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى