
دخلت شقة أخويا سيد الله يرحمه، والمفتاح بيلف في القفل بصوت جاف كأنه بيئن من أثر اللي حصل. كانت المرة الأولى اللي أدخل فيها الشقة من يوم ما سيد اتدفن وعبير سابتها. الريحة جوة كانت مكتومة، ميكس بين تراب الأيام وريحة برفان عبير النفاذة اللي كانت بتخنقني زمان.
أبويا وإخواتي كانوا واقفين عند الباب مش قادرين يدخلوا؛ كل شبر في المكان كان بيفكرنا بسيد وضحكته وطيبته. أبويا بصلي وقالي بصوت مبحوح:
– “ادخلي يا سمر.. لمي كل حاجتها وهدومها وحطيها في شنط، مش عايز لمحة واحدة تفكرنا بالعقربة دي في بيت ابني الله يرحمه.”
مسكت الشنط الكبيرة ودخلت أوضة النوم. الأوضة كانت مكركبة، الهدوم مرمية على السرير والكومودينو مفتوح، كأنها كانت بتدور على حاجة بسرعة قبل ما تخرج الليلة دي. بدأت ألم الهدوم وأرمي في الشنط، وكل ما ألم حتة افتكر غلها وكلامها الرخيص لعصام في الشات، والدموع تنزل من عيني بسخونة.
وأنا بلم حاجتها من تحت التسريحة، إيدي خبطت في علبة خشب صغيرة متغطية بملاية قديمة ومزقية في آخر السرير من جوة. سحبت العلبة باستغراب، كانت مقفولة بقفل صغير جداً، بس مفتاحه كان مدلي منه بسلسلة رفيعة.
فتحت القفل وإيدي بترتعش.. كنت فاكرة هألاقي دهب ولا فلوس مخبياها، بس اللي لقيته جوة العلبة كان أبشع بمراحل!
لقيت أجندة صغيرة مكتوبة بخط إيد عبير، وتحتها أوراق رسمية وإيصالات أمانة، ومعاهم كيس بلاستيك صغير فيه ورقة مطوية مكتوب عليها كلام مش مفهوم ورشات وسحر!
فتحت الأجندة وقريت أول صفحة، وريقي نشف في زوري! عبير كانت كاتبة كل خطة عملتها بالتفصيل من سنة كاملة! كاتبة إزاي كانت بتكرهني، وإزاي كانت بتدي لسيد أخويا أدوية معينة وبتاخد من فلوسه من وراه عشان تفلسه وتكسر ضهره!
بس الصدمة الحقيقية كانت في الأوراق الرسمية اللي تحت الأجندة.. إيصالات أمانة ممضية باسم “عصام جوزي”! إيصالات بمبالغ ضخمة جداً تعدي الستمية ألف جنيه، وتاريخها يرجع لسنة فاتت.. يعني قبل ما سيد يموت بكتير!
وقفت مش قادرة أستوعب، قريت الورق تاني وتالت.. عصام ما كانش ماشياً مع عبير عشان حب أو غزل بس، عصام كان مزنوق ليها في فلوس وإيصالات أمانة كاسرة رقبته! عبير كانت ماسكاه من إيده اللي بتوجعه ومسببة عليه بالورق ده، ووعدته إنها هتقطع الإيصالات وتديه شقة سيد والدهب اللي سرقته، مقابل إنه يتجوزها ويجيبها ضرة ليا ويذلني!
والألعن من ده كله.. لقيت أوراق طبية وتقارير وتحاليل خاصة بأخويا سيد الله يرحمه، تقارير بتاريخ قبل وفاته بأسبوع واحد، ومكتوب فيها إن أدوية الضغط والقلب اللي كان بياخدها كانت بيتغير فيها الجرعات بانتظام وبطريقة تؤدي للوفاة أو السكتة القلبية!
صرخت صرخة هزت أركان الشقة، سقطت على الركبتين والأوراق في إيدي بترتعش. أبويا وإخواتي جيروا عليا في الأوضة مفزوعين:
– “في إيه يا سمر؟ مالك يا بنتي؟!”
رميت الأوراق والأجندة في حضن أبويا وأنا بصرخ وبشهق:
– “سيد ما ماتش موتة ربنا يا بابا! سيد اتقتل! العقربة دي وعصام كانوا بيدبروا لكل ده من سنة.. سيد مات مسموم ومغدور بإنها بتلعب في دواه، وعصام كان متواطئ معاها عشان خايف من إيصالات الأمانة!”
أبويا مسك الأوراق وقراها، وعينيه بدأت تطلع شرار، وشه اتغير ولونه بقى زي الدم. إخواتي كرم وأحمد مسكوا التقرير والأجندة اللي عبير كانت كاتبة فيها بخط إيدها اعترافات صريحة عن تغيير جرعات الدواء لسيد عشان “تخلص منه وتورث الشقة وتتجوز عصام”.
أبويا مسك العصاية ودب بيها في الأرض بكل قوته وقال بصوت زلزل العمارة:
– “يا بنت الكلب! قتلتِ ابني ودمه لسه في رقبتك؟ وكنتِ عايزة تتجوزي جوز أخته فوق جثته؟ والله ما هسيبك، والله لنشرب من دمكم بالقانون!”
في نفس الليلة، أبويا أخد الأوراق والأجندة ونزل فوراً على النيابة العامة وقدم بلاغ جديد وخطير جداً: “إعادة فتح تحقيق في وفاة المغفور له سيد، وتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد ضد عبير وعصام”.
النيابة استدعت الطبيب الشرعي وأمرت باستخراج جثة أخويا سيد للتشريح وتحليل العينات، واستدعاء عصام وعبير من الحجز للمواجهة الكبرى!
في مقر النيابة، كنت واقفه مع أبويا، وشفت عصام وعبير مكلبشين في إيد بعض والدفاتر والأوراق الموثوقة قدام وكيل النيابة. عبير أول ما شافت الأجندة والعلبة الخشب في إيد وكيل النيابة، وشها اصفر وجسمها اتسحب منه الدم، وعصام قعد يصرخ ويكب البلا على عبير:
– “هي اللي هددتني يا بيه! هي اللي أجبرتني أوقع على الإيصالات وهي اللي كانت بتسقي سيد الدوا الغلط، أنا ما قتلتش حد، أنا كنت خايف منها ومن حبس الإيصالات!”
عبير هجمت عليه بصوافرها في الكلبش وهي بتصرخ زي المجنونة:
– “أنت كداب يا خاين! أنت اللي قولتلي نخلص من سيد عشان ناكل الشقة والفلوس ونكسر عين سمر!”
وكيل النيابة خبط بيده على المكتب وزعق بصوت هز القاعة:
– “سكوت أنتم الاثنين! القضية دي مش مجرد خيانة ولا شغل بلطجة.. دي جريمة قتل نفس بشرية مع سبق الإصرار والترصد!”
أمرت النيابة بحبسهم 15 يوماً على ذمة التحقيق مع مراعاة التجديد، وتحويل الجثة للطب الشرعي.
رجعت البيت وأنا حاسة إن ناري ونار أبويا مش هتبرد غير لما نشوف حبل المشنقة بيلف حوالين رقبتهم الاثنين.. بس لما خرجنا من النيابة، جه محامي عصام ووقف قدام أبويا وشوشه بكلمة خلت شعر جسمنا يقف:
– “يا حاج.. أنت فاكر إنك مسكت عصام وعبير؟ عصام وراه ناس كبار في السوق، والأوراق اللي معاك دي فيه منها نسخ تانية متسجلة باسم ناس مش هيرحموا بنتك سمر لو القضية دي كملت!”




