روايات وقصص

عزومه اخويا حكايات رومانى مكرم 3

خرج الطبيب من غرفة العناية، وشه كان مرهقاً جداً، فتجمهرنا حوله بلهفة. اتنفس الصعداء وقال:
“الحمد لله، ضربة الحديدة في رأسه سببت نزيف خارجي وارتجاج بسيط، وكان عنده أزمة قلبية حادة بسبب الضغط العصبي الشديد. قدرنا نسيطر على النزيف والحمد لله قلبه انتظم، بس هو محتاج راحة تامة وممنوع من أي انفعال. تقدروا تشوفوه من برة.”
سقطت على ركبتي في الممر وحمدت ربنا بكل جوارحي. الستر لم يضيع، وأخي لم يرحل عن الدنيا وهو يحمل ذنبي أو غضبي عليه.
في هذه الأثناء، دخل الممر اثنان من ضباط المباحث، وجاء الضابط المسئول نحوي ونظر للملف الشمعي في يدي وقال بجدية:
“مدام… المتهم توفيق مقبوض عليه حالياً بتهمة اقتحام منزل والتعدي بالضرب وإحداث عاهة، وهو في التخشيبة بينكر كل حاجة وبيقول إن الأوراق اللي معاكي مزورة وإن العمارة والشركة ملكه. إحنا محتاجين نتحفظ على الملف الأصلي ونسمع أقوالك في المحضر رسمي عشان النيابة العامة.”
نظرت للضابط بثبات وقلت بصوت حازم:
“الملف ده فيه أصل عقد الملكية، وتنازل توفيق الموثق ببصمته، وفي إقرار بخط إيده باختلاس مبالغ مالية ضخمة. أنا مستعدة أجي معاكم النيابة فوراً وأسلم الورق رسمياً، ومش هسيب حق زوجي المتوفي ولا حق أخويا اللي كان هيموت بسبب جشعه.”
ذهبت مع المباحث لمركز الشرطة، وقدمت الأوراق والمستندات. أخذت النيابة الإقراءات وفحصت التوقيعات، ولما واجهوا توفيق بالمستندات الأصلية وإقراره بالإختلاس المكتوب بخط يده والذي خفيه المرحوم في خزنة نادية، انهار تماماً في التحقيق وأقر بصحة العقود، وتحول من مُدّعٍ إلى متهم في قضايا تزوير واختلاس واعتداء مسلّح!
رجعت المستشفى بعد الظهر، كانت الشمس قد غطت الممر بنورها الدافئ. دخلت غرفة العناية ببطء، حسن كان فتح عينيه بصعوبة، وشه أصفر واللفافة الطبية تلف رأسه. أول ما شافني، حاولت يده المجهدة أن تتحرك نحو إيدي.
قربت منه، وجلست على طرف السرير ومسكت إيده بكل دفء، وقلت بصوت مليان حنان:
“حمد الله على سلامتك يا حبيبي… حمد الله على سلامتك يا سندنا.”
دمعة بطيئة نزلت من عين حسن، وقال بصوت متقطع وواطئ جداً:
“سامحيني يا أختي… سامحيني إني دخلت الحرام أو الشبهات في بيتك، سامحيني إني خبيت عليكِ.”
قبلت يده وجبينيه وقلت له:
“أنا اللي بطلب منك السماع يا حسن. أنت حميتنا زمان بطريقة غلط من كثر خوفك علينا، بس النهاردة أنت وقفت في وش الموت عشان تصحح غلطتك وتنقذني. الورق في النيابة يا أخويا، وتوفيق اتحبس، والعمارة وورث ولادي بقوا في الأمان رسمياً… وأنت هتخرج من هنا وترجع بيتك وراسك مرفوعة قدام الدنيا كلها.”
حسن ابتسم ابتسامة مكسورة ولكنها مليانة راحة، وأغمض عينيه واستسلم لنوم عميق وهادئ، كأنه لم ينم منذ سنين طويلة.
خرجت من الغرفة ورأيت نادية وابنها منتظرين برة، ونادية تنظر لي بنظرة فيها إحترام وألم قديم. قربت منها وقلت لها:
“أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا نادية… أنتِ شيلتي الأمانة وحفظتيها طول السنين دي رغم الخطر.”
نادية ابتسمت وقالت:
“جوزك الله يرحمه كان راجل أصيل، وكان عارف مين أهله ومين أعداؤه. الأمانة وصلت لصحابها يا أم أحمد، ودلوقتي جه الوقت اللي لازم كل سر أتسكت عنه زمان يتفتح ويرجع لكل واحد حقه.”
نظرنا لبعضنا بعمق، وأنا شعرت أن الصفحة الأخيرة في هذه المأساة لم تُكتب بعد؛ لأن رجوع الأوراق للنيابة وحبس توفيق لم يكن سوى البداية لتسوية الحسابات القديمة، وإعادة ترتيب بيتنا من جديد بعد ما هزته العاصفة.
مرت الأيام متتابعة، وجاء اليوم الذي خرج فيه حسن من المستشفى. استقبلناه في بيته بالدموع والزغاريد، لكن المرة دي كانت دموع الفرحة والراحة بعد زوال الكابوس اللي جثم على صدورنا سنين طويلة.
حسن رجع لبيته ولولاده، وشه بدأ يسترد عافيته، لكن أهم حاجة إن روح النقاء والصفاء رجعت لقلبه، بعد ما اتزاح من على كاهله ثقل السر القديم والإحساس بالذنب.
في النيابة العامة، سارت الإجراءات القانونية بصورة حاسمة؛ الأوراق والمستندات الأصلية التي حفظتها نادية كانت قاطعة لا تقبل الشك. أثبتت الخبرة القضائية صحة توقيع توفيق وبصمته على عقود التنازل وإقرارات الاختلاس. وصدر الحكم العدل بحبسه وتغريمه، وتم تثبيت ملكية العمارة والشركات باسمي وباسم ولادي بشكل قانوني نهائي لا رجعة فيه.
أما نادية وابنها، فقد أصبحا جزءاً عزيزاً من عائلتنا. أعدنا فتح الشركة القديمة بجهود جديدة، وشاركنا ابنها ليكون السند الشاب في إدارة أعمال المرحوم، مستفيدين من أمانة أمه ونقائها.
وفي ليلة من ليالي رمضان المباركة، وقبل نهاية الشهر الكريم بأيام…
قررت أرد العزومة لأخويا حسن ومراته منى ونادية وعيلتها.
جمعتهم كلهم في بيتي، الشقة اللي شهدت أحزان سنين طويلة، أصبحت اليوم مليانة بنور المحبة والدفء الحقيقي.
السفرة كانت مليانة بشتى أنواع الأكل، وأصوات ضحك ولادي وولاد حسن كانت ترن في الصالة وتملأ البيت حياة.
وقف حسن في وسط الصالة، وبص لي وعينيه مليانة دموع السعادة والامتنان، وقرب مني وحضن رأسي وقبلها قدام الكل وقال:
“أنا اللي بتسند عليكِ يا أختي… أنتِ اللي طلعتِ أجدع وأقوى منا جميعاً.”
ابتسمت له وأنا حاسة برضا غريب يغمر قلبي من جوه، وقلت له:
“أنت سندنا يا حسن… وأي غلطة عدت راحت لحالها، المهم إننا اتعلمنا إن الستر والأمان ما يتبنوش أبداً على خفاء أو خوف، وإن الحق لما بيظهر بيحمي الكل.”
أذن المغرب، ورفعت إيدي للسماء وأنا بدعي لزوجي بالرحمة والمغفرة، وأدعي لأخويا بالصحة والستر، ولأولادي بالمستقبل المشرق.
جلست على رأس السفرة وسط عائلتي الكاملة والمتحابة، وأنا حاسة إن باب السر القديم اتقفل للأبد… واتفتح مكانه باب جديد مليان بالأمل، والأمان، والحب الصادق اللي مش ممكن يتهز تاني.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى