منوعات

حكايات شيمو 4

«لما سبتني وسافرت وقيل لي إنك بتقول لأهلك “خليها معلّقة عشر سنين”، كنت فاكر إنك طفيت نوري وكسرت حياتي. قضيت شهور عياط ورعب، لحد ما اكتشفت إنك ما كنتش ساجن غير نفسك. المحكمة ما أدتنيش بس الخلع وحقوقي… المحكمة كشفت لي إن طريقي كان مقفول بوجودك، وأول ما اتقفل بابك، ربنا فتح لي أبواب الفرح والستر.
أنا مش واخدة فلوسك وحق الشقة عشان محتاجة فلوس، أنا أخدت حقي عشان أثبت لك إن الظلم له ثمن، وإن القانون والدين مش العوبة في إيد الرفض والغرور. الفلوس المتبقية من الشقة دي أنا متنازلة لك عنها، ومش عايزة منك ولا مليم. التنازل عن بلاغ المطار والمحاضر هتوصلك من المحامي، مش عشان خاطرك… ولكن لأن حياتي مع طارق وأولادي أغلى وأرقى بكتير من إني ألوثها بالمحاكم وجلساتك.
أنا سامحتك على ظلمك… مش علشانك، ولكن عشان أطهر قلبي تماماً من أي ذكرى تخصك. بتمنى لك إنك تلاقي السلام مع نفسك، وتفهم إن الستات مش ملكية خاصة ولا جماد بنعلقه في الممتلكات… الستات أرواح، واللي ما يعرفش يصونها… ربنا بيسخر لها اللي يشيلها فوق الراس.»
المحامي قفل القراءة، وقال بنبرة مهنية هادية:
“التنازلات اتقدمت للنيابة اليوم يا أستاذ، والمبلغ المتبقي متاح في حسابك البنكي وتقدر تستلمه في أي وقت. ربنا يهديك ويبدأ معاك صفحة جديدة. مع السلامة.”
التليفون قفل.
الزوج القديم بقى قاعد على الكرسي في القهوة، التليفون نزل من إيده ببطء شديد على الترابيزة.
الرسالة ما كانش فيها شتيمة، ما كانش فيها غل، وما كانش فيها أي نوع من أنواع الشماتة. كانت أشد وأقسى من كل ده… كانت مليانة سمو وراحة وشفاء تام منها ومن أثره!
اللحظة دي كانت هي الهزيمة الحقيقية.
اكتشف إن أكتر حاجة توجع الراجل المغرور مش إن الست تكرهه أو تنتقم منه… أكتر حاجة تكسره وتعدمه وجوده هي إنها “تتخطاه” وتسامحه وتشفيه من ذاكرتها كأنه ما كانش!
بص للسماء اللي كانت بدأت تنور بنور الفجر. أخد نفس عميق لأول مرة من أربع سنين، نفس خالي من الغل والشر والبحث عن الانتقام.
عدّت الأيام والسنين…
الزوج القديم استلم المبلغ المتبقي، وقرر يلم اللي باقي من حياته وهيبته. غير منطقته وشقته، وسكن في مكان هادي بعيد عن الشوارع القديمة والناس اللي كانوا عارفين قصته. بدأ يشتغل شغلانة بسيطة على قده في مصر، يحاول يكفي بيها يومه بيومه، ودقنه الشايبة وبقايا التعب بقوا علامة على درس قاسي أخد السنين بطولها عشان يتعلمه.
كل ما كان بيشوف راجل في الشارع أو على القهوة بيكابر أو بيتكلم بتكبر عن مراته، أو يفكر يظلمها أو يعلقها، كان بيقرب منه ويهز رأسه بأسف ويقول له جملة واحدة:
” أوعى تفتكر إنك لما تظلم ست وتخنقها هتبقى حبستها… أنت بس بتفتح لها باب النور، وبتبني لسجنك أنت الأسوار.”
أما في الدوحة…
فكانت السيارة بتعدي على كورنيش البحر في ليلة هادية. المهندس طارق كان يسوق وهو مبتسم، والزوجة قعدة جنبه، ولادهم الاثنين بيضحكوا ويلعبوا في الكرسي الوراني.
بصت للماضي لحظة واحدة من شباك العربية، وابتسمت ابتسامة رضا وامتنان لربنا…
لأن اللحظة اللي قررت فيها تنهي المهزلة وتلجأ للحق، كانت هي اللحظة اللي بدأت فيها حياتها الحقيقية.
وانتهت الحكاية…
على يقين إن الظلم نهايته وبيلة، وإن الست اللي تتوكل على ربنا وتطالب بحقها بالمعروف والقانون… ربنا بيعوضها باللي يصونها ويحطها في عينيه، بينما الظالم بيفضل معلق في أحقاده لحد ما يأكله الندم.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى