روايات وقصص

حكايات امانى السيد 1

تاني يوم، الدنيا اتلخبطت عند حسام وأمه. فضل يتصل بيا عشرات المرات ويبعت رسايل اعتذار وشكاوى إن أمه تعبانة ومنهارة وإنها ندمانة، وإن هو كمان مكنش يقصد وإنها “ساعة غضب”. لكن سور الكرامة اللي اتبنى بيننا كان أعلى وأقوى من أي ترجّي أو كلام فارغ. طنشته تماماً وعملت بلوك لكل أرقامه، ورفضت أي محاولات للصلح من ناحية أهله اللي جم يبرروا الموقف.

مرت الأيام، ورجعت لنفسي وضحكتي وشغلي وطموحي. عرفت كويس إن الإنسان اللي بيقدم السبت لازم يلاقيه، بس بشرط يكون بيقدمه لناس تقدر، مش لناس بتعتبر الطيبة ضعف والخدمة حق مكتسب. أما حسام وأمه، ففضلوا عايشين في طريقتهم، وكل اللي حواليهم بقوا عارفين طبعهم اللي بيطفش أي حد.

أنا اتعلمت الدرس كويس، ومن يومها أخدت عهد على نفسي إني مهما حبيت ومهما ضحيت، عمري ما هسمح لحد إنه يقلل من احترامي أو يمس كرامتي بكلمة، لأن الإنسان بيبدأ يعيش بجد أول ما بيبطل يرضي الناس على حساب نفسه وروحه.

مرت شهور طويلة على يوم فسخ الخطوبة، وخلال الفترة دي قدرت أرجع أقف على رجلي بجد. ركزت في شغلي، وفي نفسي، وفي عيلتي اللي وقفت ضهري وسندتني في أقسى لحظات عمري. جرح الكرامة مبيخفش في يوم وليلة، بس الإحساس بالسلام النفسي وراحة البال بعد ما تخلصت من القهر والعبودية المستترة كان بيساوي الدنيا وما فيها. نسيت تماماً صفحة حسام وأمه، واعتبرت إنها كابوس وانتهى وصحيت منه على أمل جديد.

في يوم، كنت نازلة مع صاحبتي المقربة نخلص كم مشوار في وسط البلد، وفجأة وأنا ماشية في الشارع، سمعت صوت بيزعق بصوت عالي كأنه بيناديني:

* استني هنا.. بقولك استني!

التفتت ورايا باستغراب، وكانت الصدمة لما لقيت قدامي واحدة من جيران حماتي القديمة، ست كبيرة في السن اسمها “صبيحة”، وكانت دايماً بتشوفني وأنا طالعة وداخلة شايلة الشنط والأكل في فترة الخطوبة. كانت تبصلي نظرات شفقة وساعات كلام غامض كنت بفهمه متأخر.

وقفت قدامي وهي بتاخد نفسها بصعوبة، وبصتلي بلهفة وقالت:

* يا بنتي يا هنادي.. أخيرًا شوفتك! ده أنا دخت عليكي عند ناس معرفتكم، وكنت بحاول أصلك بأي طريقة.

سألتها باستغراب وجمود نسبي:

* خير يا طنط صبيحة؟ في حاجة؟ ولا جارتك القديمة باعتك تطرديني تاني؟

تنهدت بعمق، وقربت مني أكتر وقالت بصوت واطي ومليان أسف:

* جارتي مين يا بنتي؟ دي العمارة كلها اتقلب حالها من بعد ما سيبتي البيت! تعالي نقعد في الكافيه ده دقيقتين أقولك كلمتين، والله لو ما حكيتهم ليكي، ضميري كان هيموتني.

قعدنا على ترابيزة هادية، وبدأت تحكي لي حاجات خلتني أفتح عيوني على وسعها من هول ما تسمع.

قالت لي وهي بتفرك في إيدها:

* من يوم ما سبتي حسام والخطوبة اتفشكلت، البيت هناك اتقلب جحيم. في الأول، حسام وأمه كانوا فاكرين إنها “دلع بنات” وإنك أيام وراجعين تجري تتأسفي وتبوسي على إيدها زي العادة. بس لما لقوكِ قطعتي خالص ومفيش أي رجعة، الست الكبيرة اتجننت، وبدأت تحط في دماغ حسام إنك مش متربية وإنك بتتكبري عليهم.

سألتها ببرود:

* وده يخصني في إيه دلوقتي؟ ما ده اللي كانوا بيحاولوا يثبتوه من الأول.

ردت بسرعة:

* اصبري يا بنادي.. اسمعي اللي جاي. حسام، عشان يثبت لأمه إنه “الراجل” اللي كلمته ماشية وإنه جاب لها عروسة تانية تخدمها وتسمع الكلام، نزل دور على خطوبة سريعة. وفعلاً، بعد شهرين بالظبط، خطب بنت تانية، صغيرة في السن، وأهلها على قد حالهم وافقوا بسرعة من غير شروط.

ضحكت بسخرية وقاتلها:

* ومبروك عليهم.. إيه الغريب في كده؟

قالت بصوت حاد:

* الغريب بقى يا بنتي إن البنية دي مكنتش زيك. مش طيبة ولا بتستحمل! أول أسبوعين، حماتك عملت معاها نفس اللعبة اللي عملتها معاكي؛ جابتها عشان تخدم وتنضف وتعمل الأكل. العروسة الجديدة مكملتش تلات أيام، ودخلت في خناقة صوتها جاب آخر الشارع مع حسام وأمه، وقالت له بالحرف: “هي أمك ست بيت ولا معاقة؟ أنا جاية عروسة مش شغالة”، وفصخت الخطوبة في وسط صريخ وشتايم فضحتهم قدام العمارة كلها!

بصيت لها بتعجب، وكملت هي بحماس:

* واسمعي الأسخم بقى.. العمارة بقت تضحك عليهم، وحسام بقى مكسوف يمشي في الشارع. أمك بقى اللي هي حماتك، جالها ضغط وسكر من القهرة والعار، وبقت نايمة في السرير لا بتتحرك ولا بتقوم أصلاً. الستات في العمارة بقوا يقولوا لبعض: “أدي أخرة الظلم وقلة النخوة، ضيعوا البنت الأصيلة اللي كانت بتخدم بقلبها، عشان ياخدوا على قفاهم”.

سألتها بصوت هادئ:

* وحسام؟ بيعمل إيه دلوقتي؟

تنهدت وقالت:

* حسام قاعد لوحده جمب أمه العجوزة اللي مش قادرة تقوم من السرير، وبيدور على دكتورة أو ممرضة تيجي ترعاهم بالأجر، لأن مفيش بنت محترمة رضيت تدخل بيتهم تاني بعد ما سمعتهم طفشوا البنت اللي كانت مصبراهم على قرفهم. جيت عشان أقولك الكلمتين دول، لأني شفت بعيني إزاي كنتِ بتتقي الله فيهم، وحبيت تعرفي إن حقك رجع لك في الدنيا قبل الآخرة، وإن ربنا سبحانه وتعالى مهما مهل، مبيملش.

قمت من على الترابيزة، شكرت طنط صبيحة بابتسامة خفيفة، وودعتها وأنا حاسة ببرودة قلب وسلام عميق غمر روحي. ما حسيتش بأي شماتة، حسيت بس بإن عدل ربنا فوق كل شيء.

رجعت لبيتي وأنا واثقة أكتر من أي وقت فات إن الإنسان بيتحط في امتحانات صعبة، بس اللي بيخرج منها سالم بكرامته، ربنا بيعوضه أضعاف أضعاف ما تخيل.

 

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى