
أما مامته، فكانت نعم الأم الحقيقية. عمرها ما حسستني إني ضيفه ولا خدامة داخلة تختبر صبرها، بل بالعكس، كانت دايماً تقول لي: “يا بنتي، البيت بيتك، واعتبريني أختك الكبيرة مش حماتك، ولو تعبانة في الشغل مفيش أي مشكلة، الشغل بيلحق, المهم راحتكم أنتم الاتنين”.
في يوم من الأيام، واحنا في السوق بنجيب بعض المستلزمات، اتقابلت صدفة بواحدة من قرايب حسام، ست كانت دايماً بتشوفني زمان لما كنت بروح أخدم هناك. أول ما شافتنّي، سلمت عليا بحرارة، وباين في عيونها الفضول الشديد، وبصت لي من فوق لتحت وقالت بنبرة فيها شبه استنكار خفي:
* أهلاً يا هنادي.. سامعين إنك ربنا أكرمك بخطوبة جديدة.. مبروك يا حبيبتي.
رديت بابتسامة هادئة وثقة واضحة:
* الله يبارك فيكي يا طنط.. عقبال عندكم.
قربت مني وقالت بصوت واطي وكأنها بتنقل سر خطير:
* بس تعرفي؟ حسام لحد دلوقتي مش راضي يخطب تاني، وأمه حالتهم حالية.. الست بقيت طريحة السرير تماماً، وحسام هلك نفسه ما بين شغله وما بين خدمتها، وكمان الممرضات اللي بيجيبهم مش بيفضلوا عشان بيزهقوا من لسانها وطريقتها. الكل هناك بيقول يا ريت اللي جرى ما كان، وأنتم فرطتوا في بنت أصل مفيش بعدها.
بصيت لها بكل هدوء وقلت بكلمات واضحة:
* كل واحد بيعيش باللي بيزرعه يا طنط، وربنا سبحانه وتعالى بيدي كل واحد على قد نيته. أنا ربنا عاضني باللي يقدرني ويصون كرامتي، وأتمنى لهم هما كمان يلاقوا طريقهم ويرتاحوا.
سبتها ورايا واقفة ومصدومة من هدوئي وثباتي، ورجعت ليوسف اللي كان واقف قريب مني ومستنيني بابتسامة دافية. مسك إيدي وقال لي بحنان:
* خلصتِ كلام يا عروسة؟ يلا بينا عشان ورانا حاجات كتير أحسن ما نضيع وقتنا في كلام ما لوش أي قيمة.
هزيت رأسي بسعادة، ومشيت جنبه وأنا حاسة بإن الماضي ده كله بقى مجرد درس قديم اتعلمت منه، وإن اللي جاي مع يوسف مليان بالدفء، والتقدير، والحب اللي بجد.
جه يوم فرحنا، وكان أحلى وأجمل يوم في حياتي. القاعة كانت هادية وبسيطة، مليانة بالناس اللي بجد بيحبونا وفرحانين من قلبهم لخيرنا. بابا كان واقف جنبنا وعيونه بتلمع بدموع الفرح والرضا، وmom يوسف حضنتني وقالت لي في وداني بصوت دافئ: “اليوم ده أنا ملكت فيه بنت مش ضرة ولا ضيفة، ربنا يسعدكم ويرزقكم بالبُنى والسكينة”.
دخلت بيتي الجديد مع يوسف، البيت اللي مكنش مجرد حيطان وأثاث، كان عبارة عن ملاذ آمن، ماليان بالحب والاحترام والتقدير المتبادل. مفيش فيه قهر، ومفيش فيه إهانة، ومفيش حد بيعتبر تعبي “حق مكتسب” أو بيتعامل مع كرامتي باستهانة. يوسف كان دايماً بيثبت لي بالقول والفعل إن الحياة الزوجية شراكة حقيقية مبنية على المودة والرحمة، مش على العبودية والسيطرة.
في يوم من الأيام، وأنا قاعدة في الصالة بشرب كوباية الشاي، وباصة لجوانب بيتي الرايق والمرتب، تذكرت كل اللي جرى؛ تذكرت سنين التعب والخداع، وتذكرت الساعات اللي كنت واقفة فيها على رجلي أخدم من غير كلمة شكر، وتذكرت اللحظة الشجاعة اللي نطقت فيها بكلمة “لحد هنا وكفاية” وقلعت فيها الدبلة بكل ثقة.
عرفت وقتها حكمة ربنا البالغة في كل ابتلاء مر بيا؛ إن الأقدار السيئة أحياناً تكون طوق نجاة خفي، بتبعدنا عن مصايب أكبر، وبتفتح قدامنا باب لرحمة أوسع وعوض أجمل بكتير. الإنسان لما بيصون نفسه وبيعز كرامته، ربنا ما بيضيعه أبداً، بل بالعكس، بيعوضه باللي يقدره ويحطّه في عيونه.
التفتت ليوسف وهو داخل وبإيده باقة ورد جميلة جابها ليا بدون أي مناسبة، ابتسمت له بحب حقيقي من قلبي، وأنا واثقة إن صفحة الماضي اتقفلت للأبد، وإن اللي جاي أحلى وأطهر بكتير، وإن الإنسان بيبدأ يعيش فعلاً أول ما بيعرف قيمة نفسه وكرامته.




