
الصوت اللي عمله الباب وهو بيتقفل ورا رامي وليلى كان أشبه بصفحة بتتطوى في كتاب قديم، كتاب مليان طرتيش طين، ودموع باردة، وساعات طويلة من الاستنزاف الصامت.
الصالة رجعت تهدى تدريجياً، وبقى صوت نفسنا المنتظم هو الوحيد اللي مالل المكان. الحاجة دلال قعدت على الكنبة بتنهد بتعب، وشها بيكسو حزن عميق جاب سنين عمرها قدام عيونها، لكن في نفس الوقت كانت نظرتها ليا مليانة فخر واحترام مستخبى ورا الكسرة.
“حقك رجعلك في دقيقة يا إيمان.. بس الوجع اللي جوه القلب مين يمحيه يا بنتي؟” قالتها الحاجة دلال بصوت متحشرج وهي بتمد إيدها تطبطب على كفي اللي كان لسه بارد.
بصيت لها بابتسامة هادية، ابتسامة أول مرة تحس إنها حقيقية مش مرسومة عشان تداري عيب أو تكتم غيظ: “الوجع بيموت مع الوقت يا ماما.. بس اللي بيموت بجد هو الأمان الكداب. أنا طول عمري كنت خايفة من الفضيحة ومن خراب البيت، واكتشفت النهاردة إن البيت ده كان خربان من جوه أصلاً، وأنا الوحيدة اللي كنت قاعدة حارسة على حطامه.”
أستاذ عاصم المحامي لم أوراقه بسرعة، وحطها في شنطته الجلد السوداء، ووقف وهو بيعدل جاكيت بديلته المرموقة، وقال بجدية واحترام: “الملفات دي كلها بقت في الأمان يا إيمان هانم. التنازلات وتنازل الشقة والعربية والعقود كلها بقت مسجلة وموثقة قانونياً، ورامي ما بقاش ليه عندنا ولا حتى أثر خطوة. لو فكر بس يرجع يقترب من محيط الشقة دي، البلاغ الجاهز محطوط على مكتب رئيس المباحث بكلمة واحدة مني.”
هزيت راسي ليه بشكر: “متشكرة جداً يا أستاذ عاصم.. تعبتك معايا من الفجر.”
“تعمير بيوت.. قصدي هدم الباطل مش تعب يا بنتي،” قالها وهو بيودعنا على باب الشقة اللي فتحتهاله عشان يمشي، واتقفل الباب وراه.
بقيت أنا والحاجة دلال لوحدنا في الشقة الواسعة. بصيت للساعة اللي فوق الحائط.. كانت 7:05 الصبح. النهار كان لسه بيبتدي يفتح نوره الهادي على شوارع التجمع الهادئة، والشمس بتسلل أشعتها البسيطة من خلال إزاز الشرفات.
“تشربي معايا القهوة بتاعتي اللي بردت من تلات ساعات يا ماما؟” قلتها وأنا بضحك ضحكة خفيفة صافية من جوه قلبي.
الحاجة دلال بصتلي وابتسمت ابتسامة دافئة، ووقفت وفتحت دراعاتها ليا وقالت: “تعالي يا ضلعي الثابت.. تعالي في حضني.”
رميت نفسي في حضنها، وفي اللحظة دي، دمعة واحدة نزلت من عيني.. مش دمعة ضعف ولا ندم، دي كانت دمعة الطهارة والتطهير، دمعة نزلت تغسل كل التراب اللي تراكم على روحي طول سنين الجواز المريرة دي. حضنتني بقوة كأنها بتعوضني عن كل جفا شفته من ابنها.
بعد دقايق، قامت الحاجة دلال عشان تمشي لارتباطها بمشوار مهم، ووصلتها لحد الباب، وقبل ما تنزل، مسكت إيدي وقالت: “لو احتجتي أي حاجة في الدنيا.. أنا مش عمته وبس، أنا أمك التانية يا إيمان، واعتبري رامي ده صفحة واتحرقت من حياتك.”
قفلت باب الشقة وراها، وبقيت وحدي للمرة الأولى في بيتي.. بيتي أنا وبس، مش بيت رامي ولا بيت الكدب والخيانة.
مشيت ببطء نحو المطبخ، وبصيت على الترابيزة اللي كان لسه عليها آثار الملفات والأوراق. فتحت درج المطبخ، وطلعت مفتاح الشقة الجديد.. مفتاح واحد بس، بتاعي أنا، ما حدش تاني معاه نسخه منه.
رميت الروب القديم اللي كنت لبساه من امبارح في سلة المهملات بلا رجعة، ودخلت الحمام أخدت دش دافئ طويل، غسلت فيه ريحة الليلة السودا، وطلعت وأنا لابسة بيجامة قطنية مريحة باللون الأبيض الصافي.
وقفت قدام ترابيزة المطبخ، ولعت البوتاجاز وحطيت الكنكة الصغيرة، وسترت ريحة البن الهيل وهي تملى المطبخ، ريحة قهوة نضيفة مش محروقة ولا باردة.
مسكت فنجان القهوة بتاعي، وخرجت بيه على البلكونة الكبيرة اللي بتطل على الشارع الهادي، قعدت على الكرسي وأنا بشرب أول رشح من القهوة، وسمعت صوت العصافير وهي بتزقزق إيذان ببدء يوم جديد تماماً.
طلعت تليفوني من جيبي، وعملت بلوك نهائي لرقم رامي ولرقم ليلى، ومسحت كل أثر لهم من حياتي الرقمية زي ما مسحتهم من حياتي الواقعية.
بصيت للسماء الصافية وابتسمت لنفسي وأنا بقول بصوت هامس:
“صباح الخير يا أنا.. صباح النور على الحياة الجديدة الحقيقية.”
الساعة بقت 7:30 الصبح، والشمس بقت مالية الشقة كلها بنور دافئ كأنه بيطرد أي عتمة قديمة كانت باقية في الزوايا. قعدت على الكنبة في الصالون، وفنجان القهوة في إيدي لسه دافي، بحس بطعم الههدوء والسكينة اللي حرمت نفسي منهم سنين طويلة.
التليفون اللي كان مرمي على الترابيزة جنب الفنجان نور فجأة.. رسايل وراء بعض بتدق بصوت مزعج. فتحت الشاشة لقيت رامي باعت رسايل صوتية ونصية كتيرة، كلها استعطاف وندم وتوسل: “أرجوكِ يا إيمان ردي عليا.. أنا ضعت.. ليلى سابتني في الشارع ومش عارف أروح فين.. اعتبريها عشيرة سنين!”
بكل برود وثبات، فتحت إعدادات الواتساب، ودرت على علامة “حذف المحادثة بالكامل”، وعملت “إبلاغ وحظر نهائي”. مبقاش فيه أي مساحة لأي كلام فارغ، ولا حتى فرصة لتبرير عبيط. حياته وحياته مع ليلى بقت في ذمة الماضي اللي انتهى من غير رجعة.
في اللحظة دي، جرس الباب رن رنة خفيفة ومترددة.
رفعت حاجبي باستغراب.. مين تاني جاي على الصبح بدري؟ الساعة لسه مكملتش نص السابعة والنصف. قمت بهدوء، ومشيت خطواتي لحد باب الشقة، وبصيت في العين السحرية.
لقيتها “هالة”، جارتي الطيبة اللي ساكنة في الدور اللي تحتي، وواضح على وشها القلق والخوف، وماسكة في إيدها طبق صغير مغطى بفوطة مطبخ نظيفة.
فتحت الباب بهدوء، وأول ما هالة شافتني، تنفست بعمق وقالت بلهفة: “يا إيمان يا حبيبتي.. حمد لله على السلامة.. هو اللي كان ماشي من عندك الصبح بدري ده رامي؟! وشكله كان مبهدل كأنه مطرود؟ وأنا سمعت صوت خناقة من فوق.. قلبى كان هيقف من الخوف عليكي!”
بصيت لها وابتسمت ابتسامة هادية مطمئنة، وفتحت الباب أكتر عشان تدخل: “صباح الخير يا هالة.. تعالي ادخلي، اطمني، مفيش غير كل خير، والحمد لله الهوا اتصصفى والنضيف دخل.”
هالة دخلت وبصت حواليها في الصالة النضيفة اللي بتبرق، وقالت بدهشة: “إنتي هادئة قوي كدة ليه؟ هو في إيه بجد؟ أنا شوفت ليلى صاحبتك نازلة بتعيط وتجرجر شنطتها في الأسانسور ومنهارة!”
قعدت أنا وهي على الكنبة، وخدت نفس طويل وأنا بقول بوضوح وصراحة مطلقة: “ليلى مبقتش صاحبتي، ورامي مابقاش جوزي.. انتهى كل شيء يا هالة. صفحة وانطوت للابد.”
هالة فتحت عيونها على آخرها بصدمة، وحطت إيدها على بوقها: “يا نهار أسود؟! للدرجادي؟! طيب إزاي.. امتى.. وليه؟!”
حكيت لها باختصار شديد اللي حصل من أول الليل لحد طلوع الفجر، ومن غير دمعة واحدة زيادة، بالعكس، كنت بحكي وانا حاسة بإن وزنة جبل اتشالت من على كتفي. هالة سمعت وهي منذهلة، وبعدين مسكت إيدي وقالت باحترام ودموع في عيونها: “ربنا ينصرك يا إيمان.. أنتي أصيلة وصبرتي كتير، واللي عملتيه هو عين العقل، الراضي بالخيانة دي بيبقى شيطان أخرس، وأنتي ما شاء الله عليكِ ست الستات وقوية.”
“تسلميلي يا هالة.. وميرسي على سؤالك,” قلتها وأنا بودعها بعد ما طمنتني وشاركتني راحة البال.
قفلت الباب، وبصيت لساعة الحائط.. كانت 8:00 بالتمام.
التليفون رجع ينور تاني، بس المرة دي مش من رامي.. دي رسالة من البنك بتاعي، بتفيد بإتمام تحويل الأقساط والمستحقات كاملة على حسابي الشخصي وفقاً لتسوية أستاذ عاصم، وبأن والعربية بقوا باسمي الخالص وموثقين قانونياً.
فتحت الشباك الكبير على الاخر، ودخلت نسمة هواء أكتوبر الباردة والنقية، رفعت راسي للسما، وقولت بصوت عالي يملى البيت:
“يا مسهل.. أهلاً ببدياة جديدة، أنا ملك نفسي ومن بكرة، بكتب قصة عمري الحقيقية.”




