روايات وقصص

حكايات بسمه1

فضل واقف قدام الباب الخشب، مش قادر يستوعب إن مراته اللي عاش 19 سنة بيبكيها لسه عايشة، وإن عنده ابن بقى شاب من غير ما يشوفه ولو مرة واحدة.

نزل عادل البلد وراح استأجر أوضة في بنسيون صغير، وقبل ما يدخل، اتصل بمحاميه.

قال بلهجة حاسمة:

— إلغاء البيع فورًا.

شريف اتفاجئ:

— بس يا فندم، إحنا اتفقنا مع المشتري، وفي التزامات…

قاطعه عادل:

— البيت ده فيه مراتي وابني!

سكت المحامي.

سكوته كان غريب… أطول من اللازم، وكأن فيه حكاية قديمة بيحاول يخبيها.

ولأول مرة، عادل بدأ يشك إن اختفاء نادية ما كانش مجرد حادثة، وإن فيه سر محدش عايزه يعرفه.

لكن اللي ما كانش يعرفه إن الشخص اللي خد منه مراته وابنه، لسه قريب منه لحد النهارده… وإن الحقيقة اللي هتتكشف قريب ممكن تدمّر العيلة كلها!

الجزء الثاني
قضى عادل ليلته في البنسيون وهو قاعد قدام الشباك المفتوح، عيونه متبتة على الظلمة وبرة الشباك ضوء القمر المعكوس على ترعة البلدة. 19 سنة من الوحدة والعذاب انضغطوا في الساعات دي كأنهم شريط فيلم بيتعاد قدامه بسرعة مجنونة. وجه أمه الراحلة، الحاجة زينب، كان بيتردد في مخيلته بكل كلمة قسوة قالتها عن نادية، وبكل نظرة تعالٍ كانت بترميها بيها زمان.

هل أمه كانت عارفة الحقيقة؟ هل اختفاء نادية كان مدبّر؟ الأسئلة دي كانت بتأكل في عقله، لحد ما النور بدأ ينسحب والصبح طلع بلونه الرمادي الهادئ.

أول ما الشمس طلعت، كان عادل واقف قدام الباب الخشب للبيت القديم. خبط بخفة، وكأنه خايف يكسر هدوء المكان أو يزعج الهواجس اللي ساكنة الحوائط.

بعد لحظات، فتح الباب. مش نادية اللي ظهرت، ولا يوسف… دي كانت خالتها العجوز، أم فتحي، اللي كانت زمان شريكة نادية في بيع الفطير والمخبوزات بالمولد. وشها كان محفور بتجاعيد الزمن، وعينيها بصّت لعادل بمزيج من الخوف والشفقة.

همست أم فتحي بصوت واطي ومتقطع:

— كنت عارفة إنك هترجع يا عادل… الحقيقة مابتتخباش للأبد، خصوصاً لما تكون مدفونة في طين الترعة.

دخل عادل البيت بخطوات بطيئة، ولقى نادية قاعدة على دكة خشبية في الحوش، ويوسف واقف وراها عينه مش مفارقة عادل، مليانة حذر وغضب مكبوت.

قعد عادل على كرسي قريب، وبص لنادية بصرج رجاء:

— أنا ما نمتش طول الليل… ومش همشي من هنا غير لما أسمع كل حاجة. إزاي؟ إيه اللي حصل يومها؟ مين اللي قال لي إنك متّي؟

نادية رفعت راسها، ودموعها نزلت بصمت، وبصّت لابنها يوسف كأنها بتستمد منه القوة. قالت بصوت مهتز:

— يوم ما سافرت للقاهرة، أمك جت عندي البيت. قالت لي بالحرف الواحد: “ابني رايح يعمل مستقبل كبير، وواحدة زيك بجلابية مقطوعة وفلاحة هتكون عتبة سودة في طريقه”. قلت لها إنك واعدني ترجع، وإنك بتحبني. ضحكت وقالت لي إن الرجالة بتنسى أول ما تشوف بنات الحضر والفلوس. وبعدين… هددتني إنها هتاخد مني ابني أول ما يجي الدنيا، ومش هتخليني أشوفه أبدًا لو ما بعدتش عن حياتكم.

عادل حس بضربات قلبه بتعلى، وصوت أمه بيرن في ودنه: “مراتك هتلحقك بعدين…”

كملت نادية ودموعها بتنزل بغزارة:

— أنا كنت مرعوبة… مكنش عندي حد، أهلي ناس على باب الله، وأمك كانت ست جبارة الكل بيعمل لها حساب في البلد. أم فتحي هي الوحيدة اللي وقفت جنبي. اتفقنا على خطة مجنونة… إننا نخلي البلد كلها تفتكر إني متّ غرقانة. سبت هدومي على ضفة الترعة، ومشيت بالليل في دار مستخبية بعيد عن البلد، وربنا سترني واشتغلت في بيت ناس طيبين في قرية مجاورة ربوني وساعدوني أربي ابني بالحلال، من عرق جبيني ومن غير ما أمد إيدي لحد.

يوسف قرب خطوة، وبص لأبوه بغضب وقال:

— وعشت طول عمري من غير أب، وكل العيال في البلد كانوا بيعيّروني بإن أبويا سابنا وهرب عشان الغنى والفلوس! كنت شايف أمي بتشتغل ليل ونهار لحد ما إيديها اتخربشت عشان تجيب لي لقمة العيش، وفي الآخر تكتشف إن أبويا صاحب شركة مقاولات وعايش في عز وقصور في القاهرة؟! إنت فاكر الفلوس دي ممكن ترجع لي يوم واحد عشته وأنا حاسس بالظلم؟!

عادل نزل راسه بين إيديه، ودموعه نزلت على دقنه. حس بفظاعة الذنب اللي ورثه من غير ما يدري. قال بصوت منكسر:

— والله العظيم ما كنت أعرف… أمي فهمتني إنك متّي يا نادية، وإن النهر خدك. دورت عليكِ أسبوع كامل لحد ما فقدت الوعي… والله العظيم ما بعتك!

في اللحظة دي، دخلت أم فتحي ومعاها ورقة قديمة مصفرّة، ورمتها على الترابيزة قدام عادل.

قالت العجوز بجدية:

— دي ورقة كتبتها أمك الحاجة زينب بخط إيدها قبل ما تموت بسنة، وجابتها لي في نص الليل وهي بتترعش من عذاب الضمير، وقالت لي لو عادل رجع في يوم وسأل، اديله دي عشان يعرف مين السبب الحقيقي في خراب بيته.

عادل فتح الورقة بتردد، ولقى خط أمه المألوف:

“سامحني يا ابني… أنا اللي طردتها وخليتها تهرب عشان كنت خايفة تنساني وتنسى أصلك… سامحني يا عادل.”

الورقة سقطت من إيد عادل، وبص لنادية ويوسف وهو مش قادر ينطق كلمة واحدة. الدنيا لفت بيه، وحس إن كل الملايين اللي جمعها متساوِيش قشرة بصل قصاد اللحظات اللي ضاعت عليه مع مراته وابنه.

وقف عادل ببطء، ودموعه على خدوده، وبص ليوسف وقال بصوت كله رجاء:

— أنا عارف إن الفلوس ماتعوضش يوم واحد قاسي عشْتوه… وعارف إن الغلطة كبيسة قوي. بس أقسم بالله، من اللحظة دي، أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان أصلح اللي أمه عملته… حتى لو هتنازل عن كل شركة وكل قرش وأقعد معاكم هنا على التراب.

نادية بصت له طويل، شافت في عيونه نفس الشاب الفقير اللي حبته زمان على ضفة الترعة، ومش صاحب الشركات والفلوس.

قبل ما حد ينطق بكلمة، برة البيت، على الطريق الترابي القريب، ظهرت عربية فارهة سودا، ووقف قدام البيت على طول. نزل منها المحامي شريف الدمنهوري، ووشه كان أصفر ومخطوف اللون، وعينيه بتدور بخوف كأنه هارب من حاجة مرعبة.

فتح باب العربية وبص لعادل بصوت متهدج:

— يا أستاذ عادل… الحقني! الشغل في القاهرة اتقلب فوق رأينا! والمشتري اللي كان مستعجل على شراء الأرض هنا طلع وراه سر كبير قوي… سر مرتبط بوفاة أبوك وبأوراق قديمة خاصة بأرض المنوفية اللي ورثتها!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى