
مرت الأيام التالية بطيئة وثقيلة، وكأن عقارب الساعة كانت تتعمد تعذيبي. تركت إدارة الشركة لمدير التنفيذي لفترة غير محدودة، وأقمت في فندق صغير قريب من كورنيش إسكندرية، لا أتحرك إلا لأكون بالقرب من مركز الدكتور طارق أو مدرسة الأطفال، لا أقترب منهم بشكل مزعج، بل أكتفي بأن أراقب من بعيد، أن أرى ابني وهو يلعب في الحديقة، وابنتي وهي تضحك بصوت يصل إلى أذني فيبعث في روحي حياة جديدة.
في أحد الأيام الباردة، بينما كنت جالساً على مقعد خشبي كورنيش البحر، تضرب وجهي ريح الشتاء المحملة برذاذ المطر، ظهرت أمامي سارة. كانت تحمل بيدها حقيبة صغيرة، ووجهها يحمل هدوءاً غريباً ومحيراً. وقفت أمام المقعد لثوانٍ بصمت، قبل أن تتنفس بعمق وتجلس بجانبي على المقعد الخشبي.
قلبي دق بعنف، ولم أستطع أن أنطق بحرف واحد. سارة هي من بَدأت الحديث، وكان صوتها هادئاً، خالياً من العصبية التي عرفتها مؤخراً، لكنه كان مشبعاً بمرارة السنين:
* «بتعمل إيه هنا يا جاسر؟ قاعد بتراقبنا ليه؟ فاكر إن وجودك من بعيد هيغير اللي حصل؟»
التفتُّ إليها، ودموعي كانت تكاد تفر من عيوني، وقلت بصوت مكسور:
* «مش بتابعكم عشان أضايقكم يا سارة.. أنا بتابع نفسي. بتفرج على الإنسان الغبي اللي ضيع أحسن نعمة ربنا اتهداني بيها. أنا قاعد هنا لأني مش عارف أرجع القاهرة، والقاهرة مابقاش فيها أي حاجة تروق لي. كل ركن في بيتي وفي مكتبي بيفكرني بيكِ وبصوتك وأنتِ بتطلبي مني دقيقة واحدة أسمعك فيها وأنا بكل قسوة كنت برفض.»
سارة التفتت إلي، وعيونها لمعت بدموع احتجزتها طويلاً، وقالت بصوت يترعش:
* «عارف يا جاسر.. أصعب إحساس في الدنيا مش الفراق، أصعب إحساس هو أن الست تحس إنها لوحدها وعيالها في بطنها، وإن الراجل اللي مفروض يكون سندها وظهرها هو أول واحد بيديها ظهره. أنا استحملت كتير، وكنت بموت كل يوم ميتة بطيئة وأنا في إسكندرية.. لحد ما ربنا سخر لي راجل.. آه، راجل بجد، ما قاليش استنى ولا بعدين، ولا بعت لي سواق.. بل شالني أنا وولادي وهم في حتي من روحي، وبنى معايا حياتي من أول وجديد من تحت الصفر.»
قاطعتها بضعف وأنا أشبك أصابعي ببعضها:
* «وأنا؟ ما ليش مكان خالص في القصة دي يا سارة؟ أنا أبوهم.. والله العظيم بحبهم، وبحبكِ إنتِ كمان.. عرفت ده متأخر قوي، بس بحبك بجد والله.»
ابتسمت سارة بابتسامة حزينة وموجعة، وقالت:
* «الحب لوحده مش كفاية يا جاسر. الحب محتاج أفعال، محتاج أمان، محتاج تفاصيل صغيرة كنت أنت بتعتبرها تافهة وهي كانت بالنسبة لي هي الدنيا كلها. طارق.. طارق ما استناش لحد ما أبقى على أخر طاقة لي وعوضني بكل حنان الدنيا. الولاد بينادوه بابا، ومش بإيدي ولا بإيدك أننا نمسح الكلمة دي من قلوبهم.»
في تلك اللحظة، ظهر الدكتور طارق من بعيد، كان ماشياً بخطوات هادئة نحو الكورنيش، وفي إيده الشنطة الطبية، ولما شافنا قاعدين مع بعض، وقف مكانه لثوانٍ كأنه بيتردد هل يقرب ولا يسيبنا لوحدنا. بس بعدين كمل مشيه وجا وقف قدامنا.
بصيت لطارق، ومن غير أي غيرة أو عصبية، بل باحترام مكسور، وقفت قدامه وقلت بصوت خافت:
* «شكراً يا دكتور.. شكرا لأنك عملت اللي أنا عجزت أعمله. شكرا لأنك حميت مراتي وولادي.»
طارق بص لي بملامح وقورة وهادئة، وحط إيده على كتفي وقال بنبرة إنسانية بحتة:
* «اسمع يا جاسر.. أنا ما أخدتش مكان حد، أنا بس لقيت إنسانة مكسورة في الشارع ومديت لها إيدي. وجعك أنا مقدره، وندمك واضح في عيونك، بس الحياة مش بتتصلح بالاعتذار المتأخر. الحياة بتتصلح بأن كل واحد يتقبل قراره ويتحمل نتيجة أخطائه.»
سارة قامت وقفت جنب طارق، وبصت لي نظرة أخيرة جمعت فيها كل صفحات الماضي وقالت:
* «أنا سامحتك يا جاسر.. سامحتك عشان أقدر أرتاح، وعشان أربي ولادي وأنا قلبي صافي ومش شايل حقد لأحد. بس صفحتنا أنا وأنت اتقفلت للأبد. روح يا جاسر.. ارجع لحياتك وشركتك، وباب ولادي هيكون مفتوح لك كأب، مش كزوج.. زورهم في أي وقت تحبه، بس سيبنا نعيش بسلام.»
الكلمات كانت كفيلة بأن تنهي كل أمل وهمي كنت ببنيه جوايا، بس في نفس الوقت.. حسيت بسلام غريب لأول مرة من تلات سنين. عرفت إن العقاب الأكبر مش في إن الناس تقسو عليك، بل في أنك تشوف نتيجة أخطائك واقفة قدامك واضحة وضوح الشمس وما تقدرش تغيرها.
هزيت رأسي ببطء وأنا حابس دموعي، وقلت بصوت متهدج:
* «حاضر يا سارة.. حاضر يا دكتور. أنا هعمل اللي تريحوه، ومش هأذيكم تاني أبداً.»
مشيت خطواتي بعيد عنهم، بصيت لولادي وهم بيلعبوا بعيد مع ناني، وابتسمت دمعة حارقة على خدى. أدركت تماماً أن بعض الغلطات بتدفع ثمنها من عمرك كله، وأن الإمبراطوريات والفلوس ملهاش أي قيمة لو خسرت قصادها الإنسان اللي حبك بصدق. ركبت عربيتي، وبصيت نظرة أخيرة على إسكندرية، وطلعت على القاهرة.. وأنا راجع رجل تاني خالص غير اللي جه من تلات سنين.
عدتُ إلى القاهرة، وكأن روحي ظلت معلقة على كورنيش إسكندرية، لكن هذه المرة لم يكن عودتي هروباً، بل كان بداية تصالح مع نفسي ومع أخطائي. مرّت الأشهر التالية بطيئة، لكنها كانت محملة بتغيير حقيقي وعميق في شخصيتي. تركت إدارة الشركة لفترة أطول لتستقر تحت إشراف الإدارة التنفيذية، وتفرغت لترتيب حياتي الشخصية والمهنية على أسس جديدة تعتمد على الإنسانية والتقدير الحقيقي لمن حول الإنسان، لا على الأرقام والمكاسب المادية.
في أحد أيام الربيع الهادئة، وبينما كنت أراجع بعض الملفات في مكتبي، فوجئت بباب المكتب يفتح، ودخل رمزي ووجهه يكسوه ابتسامة هادئة غير معتادة، وبيده ظرف صغير.
سألته باستغراب وأنا أقوم من مكاني: «خير يا رمزي؟ في إيه؟»
مد إيده بالظرف وقال بصوت هادئ: «جايب لك حاجة من إسكندرية يا باشا.. وصلت الصبح مع البريد الخاص، ومكتوب عليها اسمك.»
تناسيت كل شيء، وبخطوات سريعة فتحت الظرف. كان جواته كارت صغير بخط يد ناعم ومألوف جداً.. خط سارة.
فتحت الكارت وقرأت الكلمات اللي نزلت على قلبي كبرَد سلام:
*«يا جاسر.. الحياة مش دايماً بتدينا فرصة تانية بالشكل اللي نحبه، بس ربنا أحياناً بيدينا فرصة نصلح فيها عيوبنا ونياتنا. الولاد كبروا خطوة وبدأت تنطق اسمك صح.. مش كاسم في شهادة ميلاد، بل كأب بيزورهم وبيحبوه من بعيد بسلام. لو تحب تيجي تشد حيلك وتشوفهم الأسبوع الجาย، الباب مش مقفول في وشك.. سارة.»*
دموعي نزلت غصب عني، بس المرة دي ما كانتش دموع قهر ولا ندم محرق، بل كانت دموع راحة وسلام داخلي طال انتظارهم. بصيت لرمزي اللي كان باصص لي بابتسامة تشجيع، وقلت له بصوت متهدج بس كله إصرار: «جهز العربية يا رمزي.. رايح إسكندرية.»
طلعت على إسكندرية، ولأول مرة مش رايح وأنا كبار، ولا رايح بتهديدات أو نفوذ.. رايح كإنسان عرف أخطاءه، وتعلّم الدرس بوجع، وجاي يزرع حب حقيقي من أول وجديد، حتى لو كان مجرد أب في الخلفية، يكفيني إني بقيت بني آدم، وإني كسبت نفسي.. وكسبت السلام لقلب سارة وولادي.




