
إنتي لازم تمنعيه من إنه يقابل محمود قبل ما يعرف الحقيقة اللي إحنا مخبيينها عنكم من سنين
وقتها حسيت إن موضوع فرح ريهام مش هو المصيبة الوحيدة اللي مستخبية في العيلة دي
يا ترى إيه الحقيقة اللي حماتي مخبياها عني وعن جوزي من سنين؟ وإيه علاقة خالي عبد الرحمن بالموضوع؟ وليه حماتي اتخضت أول ما عرفت إنه نازل مصر؟
الجزء الثاني
قعدت باصة للتليفون وصوتي مخنوق ومش قادرة أنطق بحرف واحد بعد الجملة اللي رمتها حماتي في ودني.. حسيت إن الأوضة بتلف بيا، والكلمات بتردد في دماغي زي الصاعقة: “الحقيقة اللي إحنا مخبيينها عنكم من سنين!”
حماتي كملت كلامها بصوت مكسور ومنهار وفيه نبرة خوف واضحة بتقول بسرعة:
يا نجلاء أبوس إيدك اسمعيني.. خالك عبد الرحمن لو جه وقابل محمود واتكلم معاه في الموضوع القديم ده، البيت هيخرب، ومحمود مش هيسامحني أبدًا، ولا ريهام هتعرف ترفع راسها في الفرح.. بالله عليكي تصرفي، كلمي خالك واختلقي أي عذر خليه ميروحش لمحمود أول ما ينزل، أو تعالي قابليني إنتي الأول نتفاهم!
بلعت ريقي بصعوبة وقاطعتها بعصبية وقسوة أول مرة تطلع مني:
نتفاهم على إيه يا طنط؟! هو إنتو لسه سيبتوا فيها تفاهم؟! بنتك كسرت قلبي وكرامتي أنا وعيالي، ومش بس كده، هانت جوزي وهو طريح الفراش وبتعايره برجله المكسورة.. ودلوقتي جاية تترجيني عشان تداري على مصيبة تانية؟! أنا مالي ومال أسراركم؟! محمود جوزي لازم يعرف كل كلمة خالي عبد الرحمن جاي يقولها، وأنا عمري ما هخبي عنه حاجة تاني!
قفلت السكة في وشها من غير ما أستنى تسمع ردي، وقلبي بيدق بجنون. بصيت ناحية الصالة لقيت محمود قاعد على الكنبة بيحاول يعدل رجله المكسورة بوجع، والعكازين جنبه على الأرض. عيونه كانت حمرا من التفكير والقهر. قربت منه وأنا بترعش، مش عارفة أبدأ منين، ولا أقوله إيه عن اتصال أمه المريب.
شافني بالمنظر ده فقال بقلق وهو بيمد إيده يمسك إيدي:
مالك يا نجلاء؟ وشك أصفر كده ليه؟ أمي قالت لك إيه تاني؟ هو النقص والقلة الأدب وصلوا بيهم لحد إيه؟
قعدت جنبه ونزل دمعي غصب عني، وحكيت له كل اللي قالته أمه بالحرف الواحد، وإزاي اتخضت أول ما عرفت إن خالي عبد الرحمن نازل مصر بكرة، والجملة اللي رعبتني عن السر اللي مخبيينه عننا من سنين.
محمود عقد حواجبه بتفكير عميق، وملامح وجهه اتغيرت من الغضب للحيرة وقال بصوت خشن:
سر؟! سر إيه اللي أمي وريهام مخبيينه عننا من سنين؟ وعلاقة خالك عبد الرحمن بالموضوع ده إيه؟ خالك مسافر من سنين طويلة، وققبل ما يسافر كانت علاقته بأمي وأهلي مش على ما يرام، بس مكنتش أعرف إن فيه ماضي ما بينا وبينهم بالشكل ده.
قبل ما نكمل كلامنا، تليفون محمود رن وكان شاشته منورة برقم غريب دولي. رد بسرعة وفتحنا سبيكر عشان أسمع معاه.
صوت خالي الحاج عبد الرحمن جه قوي وواضح ومتروس حماس وجدية:
أزيك يا محمود يا ابن أختي، عامل إيه في رجلك؟ معلش يا بني، أنا عرفت اللي عملته أختك في مراتك، وعرفت جحود أمك، بس ارتاح واطمن.. كرامة نجلاء من كرامتك، واللي حصل ده كله هيكون تراب قدام المفاجأة اللي شايلها لك في جعبتي. أنا طيارتي بتقلع كمان كام ساعة، وبكرة الصبح الساعة تسعة أكون عندك في الشقة.. أوعى تخرج ولا تروح في حتة، واقفل تليفونك في وش أي حد من ناحية أمك، فاهم؟
محمود بصلي بدهشة ورد على خاله:
يا خالي فهمنا في إيه؟ أمي لسه متصلة بنجلاء ومرعوبة من نزولك وبتقول فيه سر مخبيينه عننا من سنين، وعايزاني متقشعش معاك قبل ما هي تقابلنا!
خالي عبد الرحمن سكت لحظات طويلة، وبعدين صوت تنهيدته طلعت عميقة ومحملة بغضب قديم، وقال بصوت حاسم:
أمك مرعوبة؟ طبيعي ترتعب! لأنها عارفة كويس قوي إن السر اللي مخبياه هو اللي سرق منكم حقوقكم، ودي اللحظة اللي الحق هيطلع فيها للنور مهما طال الزمن.. اسمع كلامي يا محمود، متفتحش الباب لبشر بكرة غيري، وسيب الباقي عليا.
وقفل خالي التليفون.
قعدنا أنا ومحمود طول الليل لا عارفين ننام ولا جفننا يغفل. الأفكار بتاكل في دماغنا، وكل شوية نقول: يا ترى إيه هو السر؟ هل أبوه الله يرحمه كان ساب تركة وأمه استولت عليها؟ ولا إيه الحكاية؟ وريهام وفرحها اللي بعد شهر بقوا في حتة تانية خالص من التفكير.
تاني يوم الصبح، الساعة جت ثمانية ونص، والتوتر في الشقة كان يقطع السكين. محمود كان قاعد على الكنبة وجايب عكازينه جنبه، وأنا رايحة جاية في الصالة بفرك في إيدي من كتر القلق.
وفجأة.. خبطات قوية ومستعجلة على باب الشقة!
جريت على الباب وبصيت من العين السحرية، لقيتها حماتي واقفة بره ومعاها ريهام وبيلفوا يمين وشمال كأنهم خايفين حد يشوفهم، وبيخبطوا بجنون وبيقولوا بصوت واطي بس عالي بما يكفي نسمعه:
يا محمود افتح يا ابني! نجلاء افتحي والنبي، افتحوا قبل ما عبد الرحمن وصل.. اسمعونا دقيقة واحدة والله ما هندخل الفرح ولا هنجيب سيرة الكرامة دي تاني، بس افتحوا بالله عليكم!
محمود سند على عكازيه وطلع بصعوبة لحد ما وصل باب الصالة، ورفع صوته وقال بقوة رغم تعبه:
مش هفتح يا أمي.. ومش هفتح غير لما خالي عبد الرحمن يوصل، وكل واحد يشوف حقيقته على أصولها!
من بره، ريهام صرخت بصوت مهزوز وقالت:
يا محمود أنت مش فاهم حاجة! الخال ده جاي يهد بيتنا ويخرب عليا فرحي، ده بيكرهنا من زمان وعايز ينتقم من أمي فينا!
في اللحظة دي، سمعنا صوت أسنسير البناية بيقف، وخطوات سريعة جاية على الطرقة، وبعدين صوت رجل بيقرب من باب الشقة. حماتي وريهام لما حسوا بالخطوات دي، اتصدموا وبصوا وراهم برعب وجريوا على السلم نزلوا بسرعة مجنونة قبل ما الباب يتفتح.
محمود فتح الباب بإيده التانية، وفجأة ظهر قدامنا خالي الحاج عبد الرحمن.. راجل في نهاية العقد الخامس، بملامح وقورة، وعينيه بتلمع بذكاء وقوة، ولابس بدلة أنيقة وشنطة سفر كبيرة معلقة في إيده.
أول ما شاف محمود واقف بالعكازين، عيونه دمعت، وفتح حضنه وضم محمود بحنان شديد وقال:
ألف سلامة عليك يا بني.. معلش، استحملت كتير، بس الحق دايمًا له وقت يبان فيه.
دخل خالي وقفلت الباب وراهم. قعد على الكنبة قدام محمود، وطلع من جيبه ظرف كبير مليان ورق قديم وأوراق رسمية وشهادات تثبت توقيعات، وبص لينا الاتنين وقال بصوت حاسم:
اسمعوا يا ولاد.. الحكاية مش حكاية فرح ريهام ولا لبس نجلاء.. الحكاية أكبر من كده بكتير. أمك وجوزها الأولاني وأبوكم الله يرحمه..
سكت خالي ثانية وكمل كلامه بطريقة خلتنا أنا ومحمود نتجمد في مكاننا:
الورق ده بيثبت إن الشقة دي، وكل عمارة البيت الأرض اللي أنتم فيها، وكل أملاك المرحوم أبوكم.. مش ملك أمك لوحدها ولا هبة من حد.. دي أملاككم أنتم، وأمك وريهام كانوا كاتبين عقود وهمية من سنين عشان يحرموا محمود من حقه الشرعي ويخلوا كل الورث لريهام عشان تدلع بيه في جوزاتها، وسايبينكم عايشين في القهر والفقر وعاملين فيها أسياد البيت!
محمود بص للورق وبعدين لخاله بصدمة تامة وصوت مكسور:
أنت بتقول إيه يا خالي؟! يعني أمي اللي عملت فينا كده؟!
خالي حط إيده على كتف محمود وقال بنبرة قوية:
أيوه يا بني، وجاي النهاردة عشان أرجع لكل ذي حق حقه، وفرح ريهام اللي متكبرة بيه ده.. هيقف لو مفضلتش تحت جزمتك وجزمة مراتك!
قعدت جنب محمود وأنا حاسة إن اللي بحلمه ده أكبر بكتير من مجرد خناقة فرح.. دي بداية معركة جديدة تمامًا!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




