روايات وقصص

أول يوم بعد الفرح 1

### الجزء الثاني

الصمت اللي ساد الفيلا بعد كلمتي الأخيرة ماكنش صمت عادي، كان أشبه بسكون ما قبل العاصفة. الكل كان متجمد في مكانه، كأن الزمن وقف فجأة. حماتي بصت للدبلة اللي مرمية جنب الطبق وكأنها بتبص لثعبان، وأبوه نزل الجرنال ببطء شديد، وعينيه اتملت بنظرة مزيج بين الغرور المكسور والخوف المستخبى ورا سنين من التعالي.

جوزي حاول يستجمع غروره، وبلع ريقه بصوت عالي وهو بيحاول يداري ارتباكه قدام أهله، وقال بصوت مهزوز بس حاول يخليه حاد:

* “إنتِ فاكرة نفسك بتلعبى مين؟ راجعة بيت أهلك زعلانة عشان كلمة؟ اتربيتي برة على الفوضى.. اقعدي مكانك واعتذري لأمي حالاً عشان تعدي الليلة دي على خير، بدل ما أرميكي برة البيت وهو لسه طالع عليه النهار!”

بصيت له نظرة أخيرة، نظرة مليانة شفقة على غبائه وسذاجته اللي مخلياه مش فاهم هو وقع قدام مين وليه. ما ردتش عليه بحرف واحد. درت ظهري ومشيت بخطوات ثابتة ومنتظمة، وصوت كعب حذائي على رخام الفيلا الواسع كان عامل زي ضربات الطبول المنتظمة.

وقت ما فتحت باب الفيلا الكبير وطلعت للشارع، التليفون بتاعي رن في شنطتي. طلّعته وكان رقم سري مخصص لملف كنت مخبياه بعناية فائقة.

فتحت الخط، وصوت “شريف”، المحامي الخاص بيا وصديق العيلة القديم، جاني هادئ وواثق:

* “بشريتي يا فندم؟ هل بدأت المسرحية؟”

رديت بهدوء تام وأنا بفتح باب عربيتي اللي كنت راكناها قدام الفيلا:

* “بدأت يا شريف.. والضحية الأولى ضرب البداية بنفسه. ابعت المستندات للجهات المعنية، وبلغ اللواء طارق إن الطعم اتبلع بالكامل.”

* “أمرك يا فندم.. خلال ساعة واحدة هيكون كل شيء على مكتب النائب العام، ومجموعات الشركات الخاصة بيه ومن ضمنها أملاكه هنا وهنا هتبقى تحت الحراسة القانونية.”

قفلت الخط وركبت العربية، وسقت وأنا بتابع في المراية العكسية سور الفيلا الضخم اللي مفكروش لحظة واحدة إن الست اللي استقصدوا يهينوها الصبح، هي نفسها المالكة الحقيقية لأغلبية أسهم الشركات اللي والده بيتباهى بيها قدام الناس، واللي استغلت جوزي وسذاجته عشان توقع العيلة كلها في فخ قانوني محكم من غير ما يحسوا بأي خطر غير متوقع.

وصلت شقتي الخاصة اللي كنت شارياها بفلوسي بعيد عنهم وعن عيلتي، وقعدت قدام اللاب توب بتاعي أشرب قهوتي بهدوء، وأنا بتابع على الشاشة الإشعارات الحية للبنوك والشركات.

وفي خلال ساعات قليلة، بدأ الهبوط الكبير.

تليفون جوزي مابطلش رن، وبعدها تليفون أبوه، وبعدها حماتي وأخته. ركبت كاميرات مراقبة مصغرة كنت زرعتها بذكاء في صالة الفيلا ومكتب الحما، وفتحت البث المباشر عشان أشوف بعيني ردود الفعل لما صدمة الواقع تضربهم.

على الشاشة، كان حمايا قاعد ماسك دماغه بإيديه الاثنين، ووشه أصفر تماماً، والصحافة والشرطة الاقتصادية كانوا بيقتحموا الفيلا ومعاهم أوامر ضبط واحضار وتجميد أصول لكل ممتلكات العيلة بتهم التهرب الضريبي وغسيل أموال وتلاعب في مناقصات حكومية كبرى، وهي المستندات الثبوتية الدامغة اللي كنت جمعتها طوال السنين اللي فاتت وأنا بدرس خطواتهم بدقة وحذر.

جوزي كان واقف في نص الصالة، عيونه تايهة، بيصرخ في البوليس وبيقول بجنون:

* “إنتوا اكيد غلطانين! أنتوا عارفين أنا أبقى مين؟ أبقى ابن فلان العزّام! بابا يقدر يرفدكم كلكم بكلمة!”

واحد من الضباط ضحك باستهزاء ورمى على وشّه ملف التحقيقات وقاله بصوت قاطع:

* “أبوك مبقاش يملك حتى ثمن المحامي بتاعه يا محترم.. الشركات اتحجز عليها، والفلوس اتجمدت، وكل الورق اللي يثبت تورط العيلة دي في قضايا فساد سنة كاملة وصل للجهات الرقابية من ساعة بس.. من شخص واحد قرر ينهي إمبراطوريتكم الوهمية.”

في اللحظة دي، الكاميرا جابت وش جوزي وهو بيبص للملف المرمي جنبه، ولسان حاله بينطق اسمي بصوت مرعوب، وكأنه استوعب أخيراً معنى جملتي الأخيرة على سفرة الفطار:

*”أنا مش همشي من هنا كزوجة… أنا همشي كشخص معاه حاجة واحدة قادرة تدمركم كلكم.”*

قفلتي اللاب توب بابتسامة خفيفة، ووقفت قدام الشباك أبص على النور اللي بيبدأ يظهر في السما، وأنا عارفة إن ده مجرد أول يوم في الحساب الحقيقي، وإن اللي جاي هيكون أقسى بكتير على كل إنسان تجبر وافتكر إن المال والجاه يقدروا يشتروا الكرامة الإنسانية.

### الجزء الثالث

صوت صفارة سيارات الشرطة والاقتصادية وهو بيتردد جوه فناء الفيلا الفخمة كان أجمل سيمفونية ممكن أسمعها وأنا قاعدة في شقتي الهادية. على شاشة اللاب توب، كانت الكاميرات الناقلة للداخل بتجيب مشاهد انهيار تدريجي وبطيء لعيلة “العزّام” اللي كانت لحد امبارح بس شايفة نفسها فوق القانون وفوق البشر.

أبوه، الحاج “محمود العزّام”، كان قاعد على الكرسي الجلدي الفاخر في مكتبه، عيونه ذاهلة ومش مصدق إن إمبراطورية العقارات والمقاولات اللي بناها على مدار تلاتين سنة بتنهار قدام عينه في أقل من ستين دقيقة. المحققين كانوا بيفتشوا الأدراج وياخدوا المستندات الأصلية، بينما هو بيحاول يتصل بكل معارفه الكبار في الحكومة والوزارات، لكن التليفون كان بيفضل يدي “غير معلق” أو “الرقم غير متاح”، لأن الأوامر اللي صدرت كانت من مستويات عليا جداً وبناءً على ملف أدلة جنائية ومالية مافيش أي ثغرة لهروبهم منها.

أما جوزي “زياد”، فكان واقف في نص الصالة زي المصدوم، عيونه حمرا وشعره مبعثر، مش قادر ينطق بكلمة واحدة مفيدة. أخته وأمه كانوا بيعيطوا بصوت عالي ويندبوا الحظ، وكل واحدة فيهم بتشير للثانية وتلومها على الجبروت والاستعلاء اللي وصلوهم لكده.

سحبت كرسي المكتب وقعدت أتفرج على تفاصيل المشهد بكل برود أعصاب. تليفوني الشخصي رن، وكان المحامي “شريف”. فتحت الخط فوراً، وصوته كان مليان حماس وانتصار:

* “يا فندم، الخبر انتشر في البورصة ووسائل الإعلام زي النار في الهشيم. أسهم شركاتهم نزلت لأدنى حد ليها في التاريخ، والنائب العام أصدر قرار بمنعهم من السفر ووضع أسمائهم على قوائم الترقب والوصول الفوري، بالإضافة لتجميد كل الحسابات البنكية الشخصية والشركات.”

رديت بهدوء وصوتي فيه نبرة ثقة لا تتوصف:

* “عظيم يا شريف.. دي مجرد البداية. أنا مش عايزة القضية تقتصر بس على الجانب المالي.. أنا عايزة تحريك الدعاوى القضائية الخاصة بالتلاعب في عقود الأراضي اللي استولوا عليها بالبلطجة واستغلال النفوذ سنة الفين وعشرين، ودي المستندات بتاعتها موجودة في الخزنة الخاصة اللي سلمتها لك.”

* “أمرك يا فندم، الخزنة معايا وكل المستندات الأصلية بختم النسر موجودة وموثقة بشكل قانوني لا يقبل أي شك. خلال ساعات هيكونوا قدام قاضي التحقيق.”

قفلت الخط مع شريف، وقمت جهزت كوباية شاي بالنعناع، ورحت وقفت قدام البلكونة أتأمل الشارع الهادي. رجري في اليوم ده ماعرفتش النوم، مش عشان توتر، بالعكس، كنت بحس بلذة الانتقام الهادئ والبارد. الانتقام اللي مش بيعتمد على الصراخ ولا الشجار، بل على التخطيط الذكي والصبر الطويل.

قصتي مع زياد وعيلته ما بداتش يوم الفرح، ولا حتى يوم خطوبتنا. الموضوع أعمق بكتير. من سنتين تقريباً، لما كنت بشتغل كاستشارية مالية وقانونية لواحدة من كبرى الشركات الاستثمارية، اكتشفت صدفة عمليات غسيل أموال وتلاعب ضريبي ضخم بتقوم بيها شركات “العزّام” بالتعاون مع أطراف فاسدة. ولما حاولت أبلغ الإدارة العليا، تم تهديدي بطريقة غير مباشرة من عيلة العزّام نفسهم، ووقتها قررت إني مش هكتفي بالبلاغ العادي، لا.. أنا قررت أدرسهم خطوة بخطوة، وأدخل بينهم وأقرب منهم لحد ما هما بنفسهم يدخلوني بيتهم برجليهم.

زياد كان شخص متكبر وغبي، أول ما شافني في إحدى المناسبات العامة، انبهر بشكلي ومظهري وأسلوبي، وفضل يلاحقني شهور لحد ما وافقت أرتبط بيه. أهله شافوا فيا “العروسة” المناسبة لشكلهم الاجتماعي، واحدة هادية وشاطرة ومش هتعمل مشاكل، لكنهم ماعرفوش أبداً مين هي “بشرى” الحقيقية. دخلت بيتهم وأنا معايا المفاتيح السرية لكل بلاويكم، وكنت مستنية بس اللحظة اللي يظهروا فيها حقيقتهم الوضيعة عشان أضرب الضربة القاضية.

واليوم التاني للفرح.. قلم واحد على خدي قدام أهله كان هو الشرارة الأخيرة اللي خلتني ما استناش ثانية زيادة.

بعد مرور أسبوع كامل على الحادثة، الوضع في عيلة العزّام اتحول لكابوس حقيقي. الفيلا اللي كانوا عايشين فيها برفاهية تم الحجز عليها قضائياً، وبقى مطلوب منهم إخلاؤها خلال خمس أيام لصالح البنك الدائن. الأصدقاء والمعارف اللي كانوا بيجوا يطبلوا حواليهم اختفوا تماماً، ومبقاش حد يرد على تليفوناتهم.

في يوم الإخلاء، كنت قاعدة في عربيتي قدام سور الفيلا بمسافة مش بعيدة، وشوفتهم بعيني وهما خارجين منها بالشنط القليلة المتبقية معاهم، ووشوشهم مكسورة ومليانة قهر وذل. زياد كان ماشي ورا أبوه العجوز اللي بقا بيمشي بعصاية، أمه كانت بتعيط بانهيار وأخته ماسكة في هدومها كأنها تايهة.

زياد رفع عينه بالصدفة وشاف عربيتي الواقفة على الناحية الثانية من الشارع. زغللت عينيه وهو بيحاول يستوعب، وطلع تليفونه بسرعة وبدأ يتصل بيا. التليفون رن قدامي على التابلوه، وبصيت لرقم المتصل، ورفعت سماعة التليفون ورديت بصوت هادئ تماماً من غير ما أنطق بحرف.

صرخ في التليفون بصوت مليان عجز وانهيار:

* “إنتِ.. إنتِ اللي عملتي فينا كده؟ إنتِ مين أصلاً؟! إنتِ دمرتي عيلتنا كلها!”

سكت لثواني، وبعدها قلت بهدوء شديد وابتسامة باردة مرسومة على شفايفي:

* “أنا الست اللي افتكرتوها خدامة ممكن تضربوها وتستهزئوا بيها على الفطار.. أنا الست اللي استهنتوا بذكائها وكرامتها. ولسه يا زياد.. دي البداية بس، وبكرة هتعرفوا إن لسه فيه صفحات تانية في كتاب الكابوس بتاعكم.”

قفلت السكة في وشّه، ورميت التليفون على الكرسي اللي جنبي، وطلعت بالعربية في طريق مفتوح ومنور، وأنا حاسة إن روحي ارتاحت وأخيرًا أخدت حق كل دمعة وكل إهانة وكل جبروت شافته عيني.

 

 

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى