
جن جنون كمال، وتقدم نحوي بسرعة ليجرني من ذراعي ويدفعني خارجاً، وهو يصرخ بوجوه الحاضرين بجنون:
* “إياكم تصدقوها! دي مجنونة وعايزة تخرب البيوت! دي ولية كذابة وشحاتة! شقة إيه ودكانة إيه؟ دي شقتي أنا ومن حر مالى!”
لكنني لم أتحرك شعرة واحدة. بل ابتسمت ببرود شديد، أخرجت هاتفي المحمول من حقيبتي ببطء، ورفعت شاشته أمام أعين الجميع، ثم ضغطت على زر التشغيل ليرتفع صوت التسجيلات بوضوح تام في صمت تام عم المكان.
كان صوته في التسجيلات يتردد بوضوح الشمس:
*التسجيل الأول:* “يا نوال، معلش والنبي سيبي لي دهبك ودكانة أبوكي عشان نشتري الشقة بره، وأنا هكتبهالك باسمك في العقد عشان تضمني حقك”.
*التسجيل الثاني:* “أنا عارف إنك ضحيتي بكتير يا أم عيالي، ولولا فلوس الدكانة ودهبك مكنتش هقدر أحلم بالسكن ده، الشقة ليكي إنتي وعيالك وملكك لوحدك”.
انقلب وجه كمال إلى اللون الرمادي الشاحب، وتسمرت قدماه في الأرض، وانفتح فم أمه بلا كلام. أما أهل العروسة فاصطدموا بالمفاجأة الكبرى، ونظرت العروس إلى كمال برعب وذهول، وصرخ والد العروس بصوت مرعب وهو ينظر لصالحه:
* “إنت بتضحك علينا يا نصاب؟! متجوز بنتي بشقة مبنية بفلوس مرتك الأولى وبتسرق عرقها وجهدها؟! إنت اتجننت؟!”
لم أكتفِ بذلك. فتحت حقيبتي مرة أخرى، وأخرجت حافظة بلاستيكية سميكة تحتوي على كل المستندات الرسمية والأصلية:
1. عقد بيع الدكانة المسجل والشهر العقاري باسمي.
2. إيصالات استلام النقدية البنكية التي تؤكد إيداع ثمن الدكانة والدهب في حساب كمال البنكي لشراء هذه الشقة تحديداً.
3. عقد الشقة الجديد المسجل باسمه، ومرفق معه إقرار خطي مكتوب وموقع بخط يد وبصمة إبهام كمال نفسه، والذي يقر فيه صراحة بأن الشقة مملوكة لي بالكامل لأن ثمنها دُفع بالكامل من حصيلة بيع ممتلكاتي الخاصة (الدكانة والدهب).
رفعت الأوراق في الهواء أمام أعين الجميع، وقلت بصوت حاسم:
* “دي عقود الشقة، ودي بصمته وإقراره، وده ثمن دكانة أبويا ودهبي اللي اتحول في حسابه بالقرش والصاغ. الشقة دي قانونياً وشرعياً ملكي أنا وحدي، والتسجيلات دي معايا منها نسخ أصلية في النيابة العامة ومحامي جاهز برفع قضية نصب وتبديد ومطالبة قضائية فورية بطردكم كلكم من الشقة خلال ساعات، ده غير قضايا النفقة والتمكين لبيت العيلة”.
تحولت زغاريد حماتي إلى صراخ ونحيب، ووقعت أخت جوزي على الأرض مغشيًا عليها من الصدمة، واشتعل الغضب في عيون أهل العروسة الذين هجموا على كمال بالشتائم واللكمات، وهم يصرخون:
* “هات بنتي وحاجتها.. طلقها فوراً يا ابن الحرامية.. دا إنت نصاب محترف!”
وقف كمال مرتعشاً، عاجزاً عن الكلام، والدموع والذعر يملآن وجهه، وحاول الاقتراب مني ويهمس بصوت منكسر متوسل:
* “نوال.. والنبي اهدي.. اعقلي العيال.. بلاش الفضيحة دي بينا، سامحيني وأنا أكتبلك الشقة دلوقتي حالا وأرمي العروسة وأهلها في الشارع.. والنبي اترجكي بلاش أقسام وشكاوي!”
نظرت إليه من فوق لتتحول نظرتي إلى احتقار مطلق. وضعت رجلًا على رجل على أحد الكراسي الفاخرة التي فرشها أهل العروسة، ونفخت دخان السكينة والانتصار في وجهه، وقلت بصوت صارم لا يقبل النقاش:
* “تكتب إيه يا روح أمك؟ الشقة بتاعتي، وتمن دكانتي ودهبي هيرجعوا لي كاش وبالمكسب لحد آخر مليم، وفلوس التحويشة اللي سرقتها هتدفعها بالذوق غصب عنك، وورقة طلاقي هتوصلني وأنا قاعدة حاطة رجل على رجل في بيتي، وإلا… أقسم بالله ما هخليك تطلع النهار بكره إلا وأنت في سلخانة المركز!”
في تلك اللحظة، هربت العروس وأهلها وهم يحملون بعض أغراضهم الخفيفة ويشتمون كمال وأهله بأقظع الألفاظ، بينما انهار كمال جالساً على ركبتيه فوق السجاد الجديد وهو يبكي كالنساء، وحماتي تلطم خديها وتولول من الفضيحة الكبرى التي حلت بهم.
أما أنا، فقمت من مكاني بهدوء، وضعت حافظة الأوراق في حقيبتي، وأخذت هاتفى، وخرجت من الشقة مرفوعة الهامة، منتصرة، وقد استرددت مالي، وكرامتي، وحق أبنائي، وأنا أردد في نفسي: **”عوض ربنا دايماً يأتي في الوقت المناسب، وحق الحرة لا يضيع أبداً طالما ورائها إرادة حديدية لا تموت”.**




