
— إحنا رايحين فين يا نوح؟ والممر ده بيودي فين؟
— الممر ده بناه جدي القديم عشان يكون طريق هروب سري في أوقات الأزمات.. ومحدش في القصر كله يعرفه غيري.. حتى هدى ودولت جاهلين بيه تماماً!
مشينا خطوات طويلة، لحد ما وصلنا لنهاية الممر عند باب حديدي صغير. نوح فتحه بمفتاح صغير كان في جيبه، وفجأة لقينا نفسنا برا القصر خالص.. وسط الجنينة الخلفية الواسعة اللي كانت مليانة أشجار كثيفة بتدارينا عن عيون أي حد.
عربيات البوليس كانت مالية البوابة الرئيسية قدام القصر، والأنوار الحمراء والزرقا كانت بتلف وتتلألأ في المكان.
نوح شدني وراه بخفة لحد ما وصلنا لعربية سوداء فخمة كانت مخفية بين الشجر. فتح الباب وركبني وراء، وركب قدام وساق بجنون وانطلقنا بعيد عن القصر المرعب ده!
بصيت لنوح من المراية وأنا باخد نفسي بصعوبة وقلبي بيدق بجنون، وقلت:
— إحنا رايحين فين دلوقتي يا نوح؟! البوليس هيعمم صورتك وهيدوروا علينا في كل مكان!
نوح بصلي نظرة جانبية وباس كف إيدي اللي كان بارد جداً، وقال بنبرة مليانة إصرار وتحدي:
— رايحين للمكان الوحيد اللي هنقدر نجيب منه الدليل القاطع.. الدليل اللي يثبت مين اللي هانم، ومين اللي دبر كل المؤامرة دي.. رايحين للبيت القديم اللي عاشت فيه هدى قبل ما تتجوز عمي!
— بيت مين؟!
— بيت خالتهم.. الست اللي كانت عارفة كل أسرار عيلة رشاد، واللي هدى عمداً عشان تخبي الحقيقة!
سكتُّ وأنا حاسة إن دايرة الأسرار بتضيق حوالينا، وإننا داخلين على مواجهة أخيرة ومميتة مع هدى ودولت.
العربية كانت بتجري بسرعة جنونية في طريق مقطوع، والليل كان في أطرافه الأخيرة.. بس لأول مرة، مكنتش خايفة من المجهول، كنت خايفة بس أننا منوصلش للحقيقة قبل ما يفوت الأوان!
العربية السوداء الفخمة فضلت ماشية بسرعة جنونية في الطرقات المقطوعة، لحد ما وقفت قدام بيت قديم ومهجور على أطراف المحافظة، بيحيط بيه السكوت والظلام.
نوح طفى نور العربية وبصلي بحنان وهو بيمسح دموعي بإيده:
— استني هنا يا جنة.. متتحركيش مهما حصل. أنا هطلع أجيب الدليل وأرجع في ثواني.
قبل ما أقوله لأ أو أنزل معاه، كان فتح الباب ونزل بخطوات سريعة وثابتة واختفى جوه البيت القديم.
قعدت جوه العربية أفرك إيدي من شدة القلق والخوف.. الوقت كان بيعدي كأنه سنين، والظلام حواليا كان مرعب. وفجأة، سمعت صوت تكسير خفيف بره العربية، تلاه صوت باب العربية اللي جنبی بيتفتح بعنف!
لفيت برعب، وصرخت بصدمة لما لقيت وش هدى قدامي، وعنيها بتلمع بشر مطلق وممسوكة بمسدس صغير موجهه لصدري!
— أهلاً يا عروسة نوح الجديدة.. فكرتي إنكم هتهربوا مني بكل سهولة؟
حاولت أرجع لورا بخوف وأنا برتعش:
— إنتِ.. إنتِ جيتي هنا إزاي؟! ابعدي عني!
هدى ضحكت بتهكم وهي بتشدني من دراعي بقوة وتطلعني بره العربية:
— كنت مراقباكم من اللحظة الأولى اللي خرجتوا فيها من القصر! نوح فاكر نفسه أذكى من الكل، بس غبائه هو اللي هيضيّعه هو وأنتِ مع بعض! يلا اتحركي قدامي لجوه البيت!
دخلت وانا شبه منهارة، وهدى زادتني بقوة لحد ما دخلنا الصالة الواسعة بتاعت البيت القديم.. وهنا كانت المفاجأة اللي جمدت الدم في عروقي!
نوح كان مرمي على الأرض، بينزف بغزارة من جنبه، وواقف فوقه رجالة مسلحة لابسين أسود!
صرخت بجنون وجريت عليه وأنا بقع على ركبي:
— نووووح!
نوح فتح عينه ببطء، وابتسم ابتسامة ضعيفة وهو بيبصلي بصوت مخنوق:
— جنة.. إيه جابك هنا.. قولتلك استني في العربية..
قبل ما أكمل كلامي، هدى وقفت قدامنا وضربت برجلها الأرض وقالت بصوت ملوش رحمة:
— خلاص التمثيلية انتهت يا ولاد رشاد! زي ما أختك هانم عشان سرقت أوراق الميراث، هنخلص عليكم أنتم الاتنين ونحط هنا ونقول إنهم هربوا بعض!
نوح غمض عينه لحظة، وفجأة.. قبل ما هدى ترفع المسدس، نوح اتحرك بسرعة البرق كأنه كان بيُمثل الإصابة! هجم على زعيم الرجالة المسلحة اللي كان واقف جنبه، وخطف منه السلاح في ثانية واحدة!
الرجالة هجمت عليه، لكن نوح كان كالشبح بيتحرك بقوة وغضب أعمى، وفي لحظات كان موجه المسدس ناحية هدى اللي اتجمدت من الرعب وصرخت بصوت مبحوح:
— إنت.. إنت كنت مدرك؟!
— كنت مستنيكِ تظهري بنفسك عشان تنطقي باعترافك الكامل قدام البوليس يا هدى!
وفجأة، الباب الكبير بتاع البيت اتفتح بعنف، ودخلت قوات الشرطة ومعاهم رئيس المباحث، وهتافاتهم دوت في المكان:
— ارمي السلاح حالاً! مبروك يا هدى هانت، اللعبة انتهت وبصوتك اللي اتقال كله متسجل!
اترميت في حضن نوح وأنا بعيط بانهيار، وهو حضّني بيديه الاثنين قوّة، وباس راسي بحب وعشق وقال بصوت دافئ:
— خلاص يا جنة.. كابوس القصر خلص.. دلوقتي تقدري تعيشي معايا من غير خوف.. للأبد.
رفعت عيني وبصيت في عيونه العسلي اللي لمعت بدموع الفرح، ولأول مرة حسيت إن قلبي دق.. مش من الخوف، بس من الحب الحقيقي اللي اتولد وسط جحيم المليون جنيه والديون.
النهاية.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




