
مرت الأيام والشهور، وكأن البيت بتاعنا بقى مأوى للسلام والرحمة بعد عاصفة سنين طويلة من القسوة والوجع. بنت أختي اندمبت وسطنا كأنها بنتي التانية بالضبط، وعوضناها عن كل حرمان شافت في حياتها. اشتغلت بجد واجتهاد في مجال دراستها، وبقت إيدها في إيد بنتي، والبيت بقى مليان بضحكاتهم وحيويتهم اللي رجعت له الروح من تاني.
في ليلة من ليالي الشتاء الهادية، كنت قاعدة لوحدي في البلكونة الهادية، ماسكة فنجان الشاي السخن، ومغمضة عيني ببتسم وأنا باصة لأسقف البيت الجديد ولسقف السما الصافية اللي منورة بالنجوم.
القصة بدأت من سنين طويلة بجاكيت شتوي قديم، وبـ 800 جنيه دفعتم بدموع قلبي وكسرة نفسي عشان أدفّي بنتي، وبمفتاح صغير مصدي كان في جيب الجاكيت… مفتاح فتح خزنة مليانة أسرار وجرائم، وكان السبب في إن الحق يظهر، وظلم أختي وجوزها ينكشف، وحق جوزي المرحوم يرجع تلت وتلتين، واسمه يتشرف كشهيد بطل.
تذكرت كل دمعة نزلت مني، وكل وجع حسيت بيه، ولقيت إن كل قطرة عذاب عدت عليا كانت مجرد اختبار لصبري وإيماني، وعوض ربنا كان أكبر وأعظم بكتير من كل اللي خسرته. ربنا ما رجعش حقنا وبس، ده أنقذ بنتي، وكرمني بشهادة جوزي، وبنى لنا حياة كريمة وعز وستر ملوش حدود، وخلا قلبي طاهر وخالي من أي حقد أو غل، قادر يسامح ويحتضن حتى بنت اللي ظلموها.
في اللحظة دي، خرجت بنتي ومعها بنت أختها، وهما ماسكين في إيد بعض وبيضحكوا بصوت عالي، وجهوا نحوي وقعدوا جنبي في البلكونة. بنت أختي بصت لي بعيون مدمعة من كتر الحب والامتنان وقالت بصوت مأثر:
— لولاكي يا خالتو، كنت ضعت في الدنيا دي كلها… إنتِ مش بس سامحتِ أمي، إنتِ فتحتي لي بيتك وقلبك وعوضتيني عن كل حاجة.
ابتسمت لها بحنان، وحطيت إيدي على إيدها وإيد بنتي، وقلت بصوت هادئ ومطمئن:
— يا حبيبتي، أحنا عيلة، والوجع اللي فات كان لازم نعديه عشان نتعلم إن الكرامة والصبر هما أساس أي حياة حقيقية. ربنا كريم، وعمره ما بيضيع تعب حد ولا بينسى مظلوم.
بنتي حضنتني بقوة من ضهري وقالت بفرحة:
— والحمد لله يا ماما، قصتنا دي بقت قصة عز ونجاح تتاكتب بالذهب، وبابا اكيد في الجنة فرحان بينا أوي وشايفنا.
رفعت عيوني للسماء، وابتسمت ودموع الرضا سايحة على خدودي، وهمست في سرّي:
“الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات… الحمد لله على نجاة بنتي، وعوضه الجميل، وعلى الستر والرضا اللي مالين قلوبنا لحد آخر العمر.”
انتهت القصة، بس حياتنا بالحب والستر والرضا… لسه بتبدأ.




