
هدير صرخت بانهيار وقالت:
“خلاص يا نبيلة.. تبت! والله تبت!”
كملت كلامي بهدوء:
“أنا مش هرميكي في الشارع ومش هقطع صلة الرحم.. حسن، أمر بأنها تاخد غرفة في البيت القديم بتاعنا، ويتبعت لها أكل وشرب ومصروف شهري تكفيها وتسترها.. بس قصر هنا.. مكانها مش موجود، ولا لقلبي طاقة أتحمل أشوف قدامي واحدة دمرت كل اللي حواليها لأنها تفرغت لنفسها.”
هدير فضلت تعيط وتصرخ وهي مجرورة بره القصر، وأنا دخلت وقعدت جنب أمي اللي طبطبت على كتافي وقالت لي بصوت دافئ:
“عملتي الأصل يا بنتي.. ربنا يبارك لك في جوزك وبيتك، واللي زرع شقاوة يحصد دمعة.”
حضنت أمي، وحسيت أخيراً إن العدالة الإلهية أخذت مجراها، وإن الصبر، والرضا، والستر هما أقوى سلاح ممكن الإنسان يعيش بيه في الدنيا دي.
مرت سنة كمان، وهدير كانت قاعدة في البيت القديم لوحدها، بتاخد مصاريفها ومأكلها من غير ما تتعرض للجوع، بس القسوة اللي زرعتها في قلوب الناس رجعت تضوي في وشها كل يوم وهي قاعدة لوحدها بين الحيطان اللي هجرتها زمان. أما أنا، فحياتي مع حسن وأمي بقت جنة صغيرة، القصر مليان بالخير، وبدأت أوسع مشروعي للتصميمات لحد ما بقى ليه اسم كبير في السوق، وبقينا أنا وحسن بنساعد كل محتاج وبنفتح بيوت لناس كتير كانت تايهة في الدنيا.
في يوم، وأنا في الأورش بتاعي جوه القصر براجع بعض التصميمات الجديدة، دخل عليا حسن وعطله قلق وتفكير غريب، بص لي وقال بصوت هادئ:
“نبيلة.. فيه شخص طالب يقابلني بره، ومصر إنه يشوفك أنتِ بالذات، وبيقول إنه يعرفك كويس من أيام زمان، من قبل ما يدخل القصر ده كله.”
استغربت جداً، وقمت مع حسن وخرجنا للصالون الكبير. لما دخلت، لقيت شاب واقف وراسه في الأرض، ملابسه بسيطة ونظراته كلها كسرة وندم. أول ما رفع عينه وبص لي، عرفته فوراً!
ده “صالح”، الشاب اللي كان بيشتغل زمان نجار في الورشة اللي قصاد المشغل بتاعي، واللي أيام ما كنت مكسورة ومحدش بيبصلي، كان الوحيد اللي بيبعت لي كلمة طيبة أو يساعدني أشيل حاجة ثقيلة من غير ما يتكبر عليا، بس في يوم من الأيام، جه اتقدم لهدير وهي رفضته باستهزاء وقالت له نفس الكلمة المشؤومة: “أنت شحات ولا لايق عليا.. روح اتجوز نبيلة البورت في البيت”!
صالح بص لي وبص لحسن، وقال بصوت مرتعش ودموعه في عينيه:
“أنا عارف إن جريمتي كبيرة وإني جاي أطلب المستحيل.. بس والله ما جاي عشان فلوس ولا مظاهر. أنا جاي أعتذر لك يا ست نبيلة، وأشكرك من كل قلبي.. اليوم اللي أختكِ هدير ضحكت عليا فيه ورفضتني وطردتني بطريقة مهينة، كلامها كان سهم نزل في قلبي كسرني، بس في نفس الوقت كان هو الصدمة اللي فوقتني! سبت الشارع ده كله وسافرت لإسكندرية، اشتغلت ليل نهار بعرق جبيني، وفتحت ورشة صغيرة لحد ما ربنا كرممني وبقى عندي مصنع صغير للأثاث.”
كمل كلامه وهو بيبص لأرض الصالون بحياء:
“لما سمعت باللي جرى لهدير، وعرفت أصلك الطيب وجدعنتك اللي ربنا عوضك بيها، حسيت إني لازم أجي لحد عندك، مش بس عشان أعتذر عن يوم الاستهزاء.. لكن عشان أقولكِ إن دعوة المظلوم بتلف الدنيا وتستقر في مكانها الصح، وإن ربنا بيدي كل واحد على قد نيته.”
حسن بص له باحترام، وقال بصوت رجولي وواضح:
“أهلاً بيك يا صالح.. الاعتذار فضيلة، واللي يتعب ويشقى بجهده يستاهل كل احترام.”
ابتسمت لصالح، وقلت له بصوت هادئ ومريح:
“مفيش بينا زعل يا صالح، الدنيا درجات، وكل واحد بياخد نصيبه اللي كتبهوله ربنا.. ربنا يوفقك في حياتك وشغلك، واعتبر نفسك في بيتك.”
صالح مشى وهو حاسس إن جبل من الهم اتسحب من على صدره، ورجعت أنا لحسن، مسك إيدي وباسها بحب وقال لي:
“طول عمرك أصيلة يا نبيلة.. عشان كده ربنا عوضك بكل ده.”
بصيت لجنينة القصر، وحمدت ربنا ألف مرة على نعمة الرضا والستر، وعرفت إن القصة لسه ليها بقية، بس خلاص.. البقية كلها خير وسعادة.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




