روايات وقصص

حكايات مشيره محمد 1

رد الرائد هشام، وعيناه تتحركان بسرعة محمومة بين عدة شاشات: “يا فندم، الإشارة اتقطعت فجأة في النقطة الواقعة بين الوصلة ومخرج المنطقة الصناعية.. بس قبل انقطاعها بثوانٍ معدودة، سجلت الأجهزة رصد تجمّع لمركبات شرطية غير مدرجة ضمن الدوريات الروتينية المرخصة في هذا القطاع في ذلك التوقيت، وتحديداً بوكسات تابعة لمركز شرطة…” ونطق اسم المركز بدقة.

شريف ضيق عينيه، وضرب بأصابعه على الطاولة المعدنية الصلبة: “مركز شرطة؟ دورية عادية تقطع طريق رئيسة الجهاز وتتعامل معاها؟ ده مش كمين أمني.. دي مهازلة كاملة، أو كارثة مدبرة. جهزوا قوة التدخل السريع (الفهد الأسود)، ومعاهم فريق العمليات الخاصة. التحرك خلال دقيقتين بالظبط. ممنوع استخدام أي إجراء إلا بأمر مباشر مني، بس أي حد يقف في سكة القوة دي.. اتشلوه من على وش الأرض.”

على الجانب الآخر، داخل حجز مركز الشرطة، كان الجو محملًا برائحة الرطوبة والعفن، مختلطة برائحة الدخان الكثيف الصادر من السجائر الرديئة التي كان أمناء الشرطة يشربونها في الممر الخارجي.

نادية الجبالي كانت جالسة على المقعد الخشبي المتهالك داخل غرفة الانتظار المنفصلة. ظهرها مشدود، وعيناها تحدقان في الفراغ ببرود تام. لم تكن خائفة؛ الخوف شعور محوته سنوات الخدمة الطويلة والعمليات العابرة للحدود. لكن ما كان يعتصر قلبها هو الغضب الساطع من هذا الغباء المطلق الذي يديره ضابط متهور لا يرى أبعد من أنفه.

سمعت صوت خطوات ثقيلة تقترب من باب الحجز، يتبعها صوت صوت احتكاك المفاتيح الضخمة في القفل. الباب انفتح بعنف، وظهر طارق بركات، وعلى وجهه ابتسامة انتصر فيها الجهل على الحكمة. في إيده كوباية شاي بالنعناع، وبإيده التانية بيحرك مفاتيح عربية نادية اللي اتحطت في الحرز.

“ها يا هانم؟” قال طارق وهو بيتكأ بكتفه على الحائط قدام الباب: “لسه مصرة إنك رئيسة الجهاز؟ ولا السقعة والرطوبة بدأت تفوقك وتخليكي تفكري في اسم عدل تقولي عليه بدل ما نلبس الملف كله ليكي لوحدك؟”

نادية رفعت راسها ببطء، وبصت له بنظرة جعلت طارق يحس ببرودة غريبة تسري في ظهره رغم سخونة الشاي. قالت بصوت هادئ ومتحكم تماماً، لكنه يحمل ثقل جبل:

“أنت مش مجرد ظابط فاشل.. أنت شخص بلا بصيرة ولا كفاءة. بدل ما تراجع الكارنيهات أو تتصل بغرفة العمليات، جريت وراء غرورك الكداب عشان تعمل بطل قدام أمناء الشرطة بتوعك. تفتكر الليلة دي هتعدي على خير؟ تفتكر الباب اللي اتقفل عليا ده مش هيتقفل عليك قريباً وبأقفال من حديد ما يتفتحش؟”

طارق ضحك بصوت عالي، وضرب كف على كف بتهكم: “يا سلام! لا والله ختيني في مرعب! دكتورة نادية.. هانم الكارنيهات المزورة! فوقي يا ماما، إحنا في القسم هنا، القانون هنا بيمشي بكلامي أنا، والتقارير اللي هتترفع للنيابة الصبح هتقول إننا مسكناكي في نص الليل في عربية مشبوهة ومعاكي مستندات مزورة وأموال مشهبهاش ريحة القانون. مين بقى اللي هيصدقك؟ أنا الرائد طارق.. تاريخي في المديرية يشهد لي.”

“تاريخك،” قاطعتها نادية بنبرة قاطعة كالماس، “هينتهي في دقيقتين. والساعة اللي في إيدك دي هتبقى شاهد على أسرع مراجعة إدارية لظابط شرطة في تاريخ وزارة الداخلية.”

قبل ما طارق يلحق يرد بكلمة استفزاز جديدة، سمعوا برة في الممر حركة غريبة.. صوت جزم عسكرية بتخبط على الأرض بانتظام صارم، وصوت صياغ وتدافع، وأمناء الشرطة اللي كانوا برة بيصرخوا بصوت مرتعب:

“يا فندم.. يا فندم مينفعش تدخلوا هنا.. ممنوع.. دي جهة سيادية… إيه التجهيز ده؟!”

طارق اتعدل في وقفته، وابتسامة الاستهزاء بدأت تتبخر من على وجهه، وبص ناحية الممر وهو بيلف جسمه عشان يشوف في إيه.

وفجأة.. الممر اتملى برجال ببدل سوداء كاملة وخوذات ميدانية وتجهيزات حديثة تحمل شعار “قوات التدخل السريع – المخابرات العامة”. ما كانوش بيمشوا.. كانوا كأنهم آلات تدريب مدربة على إزالة أي عائق في ثوانٍ.

اللواء شريف المنياوي دخل الممر، ووراه طابور طويل من الضباط الملثمين، عيناه كانتا تحرقان المكان من شدة الغضب. شاف أمناء الشرطة مرميين على الأرض متحكم فيهم في ثوانٍ، وشاف طارق واقف مذهول والقيود في إيدين رجاله.

طارق بلع ريقه بصعوبة، وحاول يجمع هيبته، وتقدم خطوتين وهو بيرفع كتافه: “أ… أهلاً يا فندم.. إيه الليلة دي؟ فيه حاجة غلط.. العتبة دي ممنوع دخولها من غير إذن النيابة.. إحنا هنا في قسم شرطة تابع لـ…”

قبل ما طارق يكمل جملته، شريف المنياوي مجهش بإيده أي إشارة كلام. خطى خطوتين بسرعة البرق، وبقبضة يده الحديدية، مسك طارق من ياقة قميصه ورفعه عن الأرض سنتيمترات، وضرب راس طارق في الحائط ورا ضهره بصوت حاد رجّ الحجز كله.

“يا راجل!” صرخ شريف بصوت هادر هز أركان القسم: “أنت بتعمل إجراء مع رئيسة المخابرات العامة في بوكس؟! أنت عارف أنت عملت إيه في نفسك وفي عيلتك لحد سبع جد؟!”

طرد طارق الهواء من صدره بصوت متحشرج وقال بخوف وذعر شديد، ووشه اصفر تماماً: “فندم.. أنا.. أنا مكنتش أعرف.. الكارنيه كان…”

“أنت ما تفهمش حاجة أصلًا!” قاطعه شريف بعنف ورمى بيه على الأرض قدام رجليه. وبعدين بص لأحد الظباط ورا، وأمر بصوت قاطع:

“كل عساكر وأمناء القسم ده.. يتجمعوا في الساحة برة، ويتربطوا. القسم ده كله يتعمله حجر صحي وأمني فوري، ولا تليفون يدخل ولا يطلع، ويتم ترحيل طارق ده في عربية عزل خاصة مكتفة بالقيود على جهة الاختصاص حالاً.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى