روايات وقصص

حكايات رومانى مكرم 2

مرت ساعتين في المستشفى وكان الهدوء سائد في أوضة رضا بعد ما الأمناء أخدوا إبراهيم ومراته على قسم الشرطة، وأمي نقلها التمريض لأوضة الملاحظة بعد ما ضغطها علي فجأة. كنت قاعد حاطط فاطمة في حضني، وعيني على الجهاز اللي بيقيس نبض رضا، النبض بدأ ينتظم واللون ويرجع لوشها تدريجياً بعد ما أخدت المحاليل والدم اللي احتاجته.

أستاذ حازم دخل الأوضة بعد ما خلص الإجراءات الأولية في النيابة، وهز رأسه برضا وقال: “رئيس النيابة أمر بتحفظ موقت على معرض الأدوات الكهربائية، والتزييف في التحويلات ثبت بعد ما قدمنا كشوف الحسابات الرسمية الموثقة من البنك.. بكره الصبح لجنة من الحسابات والعدل هتتحرك لمعاينة المعرض والتحفظ على العربية.”

سيبت رضا ترتاح وطلعت مع أستاذ حازم لراحة المستشفى. اتفقت معاه إننا مش هنكتفي بس  أو ترجيع الفلوس، إحنا هنرجع كل أصل وكل مليم اتبنى من دمي وشقايا باسمي رسمياً، وهنحط نقطة النهاية لكل الاستغلال اللي عشته طوال سنين الغربة.

على الساعة أربعة الفجر، لقيت تليفوني بيرن.. كان الرقم بتاع أمي. فتحت السبيكر وما نطقة بكلمة.

جالي صوتها مكسور وبتعيط بقلة حيلة: “يا مصطفى يا بني.. أخوك محبوس في التخشيبة ومراته سابته وراحت بيت أهلها، والمعرض الشمع الأحمر اتحط عليه.. ارحم شيبتي يا بني، أنا أمك اللي شيلتك ورضعتك، بلاش تدخل أخوك السجن.”

رديت عليها بنفس النبرة الهادية اللي بتكويهم: “أنتِ اللي نسيتي إني ابنك يا أمي لما سيبتي رضا تموت على الخرسانة فوق السطوح عشان المعرض والعربية. أنتِ اللي اخترتي إبراهيم وفلوس الحرام، ودلوقتي القانون بياخد مجراه.”

صرخت في التليفون: “طب والناس؟ الحارة كلها بتتكلم إنك حبست أخوك ورميت أمك!”

ابتسمت بقسوة وقلت: “الناس عرفت الحقيقة كلها لما شافوا إبراهيم ماشياً بالكلبشات.. والحق اللي اتسرق بالباطل مش بيرجع إلا بالقوة.”

قفلت السكة في وشها من غير ما أسمع باقي توسلاتها. صباح اليوم التالي، نزلت بنفسي مع قوة تنفيذ أحكام ولجنة التحفظ لشارع بيت العيلة. الشارع كان واقف على حيله، أهل الحارة كلهم خرجوا في البلكونات وعلى القهاوي يراقبوا اللي بيحصل.

وقفت قدام المعرض، وشفت اليافطة الكبيرة اللي كان إبراهيم كاتب عليها اسمه بالخط العريض. الظابط أمر بفَض الشمع مؤقتاً لتسليم الأصول وحصر البضاعة، وأستاذ حازم نقل ملكية البضاعة والمكان بالكامل باسمي بموجب أوراق التحويلات والأحكام التحفظية.

في نفس اللحظة، جُم ناس من طرف المعارض الكبيرة اللي إبراهيم كان مديون ليهم بضاعة بالآجل، وكانوا عاوزين ياخدوا البضاعة أو ياخدوا فلوسهم. وقفت في وسط الشارع بصوت جهوري وقلت: “المعرض ده وبضاعته كلها ملكي بالقانون، وأي ديون على إبراهيم يسددها هو من جيبه.. اللي ليه حق عندي يوريني ورقه، واللي ملوش، يتفضل من غير وش.”

إبراهيم جابوه في عربية الترحيلات عشان يحضر الحصر والتسليم، خرج من العربية مكسور ووجهه في الأرض، مش قادر يرفع عينه في عين حد من أهل الحارة اللي كانوا بيبصوا له بقرف وازدرء. قربت منه وهو متكلبش، وبصيت في عينيه وقلت له بصوت واطي: “شايف المعرض؟ شايف الهيبة اللي بنيتها بفلوسي؟ كل ده اتمسح في لحظة.. ولسه حسابك الأكبر قدام النيابة.”

إبراهيم بكي بدموع حارة وقال: “أنا ضعت يا مصطفى.. ضعت ومراتي طلبت الطلاق وأمي تعبانة، أرجوك سيبلي أي حاجة أبدأ بيها!”

سيبته وما رديتش عليه، ولفت ظهري وأديت الإشارة للمحامي يبدأ إجراءات تحويل ملكية المعرض والعربية باسم رضا وبنتي فاطمة، عشان أأمن حياتهم للأبد.

#الكاتب__رومانى__مكرم_

أستاذ حازم أنهى إجراءات نقل الملكية الرسمية، والشرطة أخدت إبراهيم في عربية الترحيلات عشان يعرضوه على النيابة لتجديد الحبس. الشارع كله كان بيتكلم، والنظرات اللي كانت زمان بتستقل بيا وبمراتي رضا، اتحولت لذهول واحترام بعد ما شافوا الحق وهو بيرجع لأصحابه بالقانون ومن غير ما أرفع إيدي على حد.

رجعت المستشفى، دخلت أوضة رضا ولقيت الدكاترة مطمنيني على حالتها الصحية. الأدوية المنتظمة والرعاية النفسية بدأت تظهر نتائجها، ووشها اللي كان زي الليمونة الميتة بدأ يرد فيه الدم والروح. بنتي فاطمة كانت قاعدة على السرير بتلعب بآيباد جديد اشتريتهولها، ورضا بصتلي والدموع في عينيها بس المرة دي كانت دموع فرح وراحة.

قعدت جنبها ومسكت إيدها: “جاهزة نرجع بيتنا يا رضا؟ بس مش بيت العيلة اللي فوق السطوح.. بيتك الجديد.”

رضا بصتلي باستغراب: “بيت جديد فين يا مصطفى؟”

ابتسمت وقلت لها: “الشقة الجديدة اللي اشتريتها باسمك في أرقى منطقة في المحافظة، جهزتها بالكامل عشان تبدأي فيها حياتك المكرمة، معززة مكرمة زي ما تستاهلي.”

في نفس اليوم بالليل، وأنا بخلص إجراءات خروج رضا من المستشفى، لقيت حماتي وأخت رضا داخلين الأوضة وبيعيطوا. كانوا زمان خايفين يتدخلوا بسبب قسوة أمي وإبراهيم ونفوذهم بالفلوس في الحارة، لكن لما عرفوا اللي حصل جُم يجروا. رضا أول ما شافتهم حضنتهم، وعرفت إن الأيام الجاية مش هيكون فيها خوف ولا ظلم ثاني.

في الوقت ده، كانت أمي محتاسة في بيت العيلة بعد ما فوزية مرات إبراهيم لمّت هدومها وذهبها وطلبت الطلاق، وسابت البيت فاضي. أمي بقت قاعدة لوحدها في الشقة الكبيرة اللي كانت بتملأها ظُلم وقسوة، مش قادرة تطلع البلكونة ولا تواجه حد من الجيران بعد ما الحقيقة كلها اتعرفت في الحارة.

بعتّ لأمي خبر مع واحد من كبار الحارة إن المعرض اللي اتجمع من شقايا يتحول لورشة ومنافذ بيع باسم رضا وفاطمة، وإن العربية المباعة دخل ثمنها في حساب علاج رضا المستقبلي وعملية زراعة الكلى اللي بنجهز لها في أكبر مركز متخصص في القصر العيني.

أمي ما استحملتش الخبر، وجاتلي لحد الشقة الجديدة. وقفت على الباب مكسورة، شعرها شايب وهدومها دبلانة، عينيها ما بقتش تقوى ترفعها في عيني.

قالت بصوت مرعوش وبكاء: “يا مصطفى يا بني..  فاضية عليا، وأخوك محبوس وهينزل الجلسة الأسبوع الجاي، والمحامي قال إنه لبس قضية تبديد وإهمال هتقعده سنين جوة.. سامحني يا بني، الشيطان غوانا والطمع أكل قلوبنا!”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى