
سُحِبَ مدحت إلى داخل حجز النيابة العامة والأغلال تقيد يديه، بينما انطلقت الحاجة فايزة في الشوارع تهذي كالمجنونة، تسقط وتنهض، يلفها الذهول والصدمة بعد أن تلقت خبر حبس ابنها أربعة أيام على ذمة التحقيق بتهمة جنائية لا مجال فيها للصلح المباشر. لم تعد تشغل بالها بالشقة، ولا بعلا العروس التي طارت، ولا بكلام الناس؛ بل أصبحت ترى ابنها الوحيد يقف على أعتاب سجائر وأسوار السجن المشدد.
داخل زنتاخة النيابة، وقف مدحت في وادي الخوف. كان يحاول شرح موقفه لوكيل النيابة بنبرة متوسلة متلعثمة، زاعماً أن الحقيبة تحتوي على متعلقاته الشخصية وأن ما حدث لم يكن سوى نوبة غضب بين زوجين. لكن وكيل النيابة واجهه بالتسجيلات المصورة الواضحة التي فرغتها المباحث من كاميرات الشارع، والتي أظهرت استعانته بمسجلين خطر للتعدي على زوجته وسرقتها بالإكراه وسحلها في الطريق العام.
صدر القرار كالصفعة التي قطعت آخر أمل لمدحت: “يُحبس المتهم مدحت أربعة أيام على ذمة التحقيق، ويُجدد له في الميعاد، مع تجديد حبس المشاركين معه، وإحالة القضية إلى محكمة الجنايات بعاجل جلسات.”
أمام باب النيابة، انهمرت الحاجة فايزة على قدمي ريهام وهي تصرخ وتتوسل، تحيط بها نظرات الناس والمارة:
“سامحيه يا ريهام! أنا اللي أخطأت وأنا اللي وزيته يا بنتي! ابني ضاع ومستقبله انتهى! التنازل في إيديكي يا ريهام، ابوسي إيديكي ما تخليش ابني يتسجن، الشقة حقك والفلوس حقك ومش عاوزين منها مليم واحد بس انقذي مدحت!”
نظرت ريهام إلى الحاجة فايزة وهي جالس تحت قدميها. تذكرت اليوم الذي كانت تصب فيه هذه المرأة السموم في أذن ابنها، وتطلب منها إخلائها لشقتها بكل برود وقسوة لمجرد أنها امرأة تحرم من الإنجاب. سحبت ريهام ثوبها ببطء وثبات، وقالت بصوت هادئ ورصين:
“يا حاجة فايزة.. إنتي اللي زرعتي الطمع في قلبه، وإنتي اللي أقنعتيه إن أكل حقي وشقايا شطارة ورجولة. يوم ما طردتيني من بيتي وقريتي عليا الفاتحة مع العروسة الجديدة، ما افتكرتيش إن ربنا حي وموجود؟ مدحت ما أذانيش في فلوس بس، مدحت حاول يهد كرامتي وسحلني في الشارع عشان ينقذ طمعه. القانون هو اللي يتكلم دلوقتي، ومفيش تنازل.”
انطلقت ريهام مع شقيقها والمحامي مراد، تاركين الحاجة فايزة تلطم خدودها وتصرخ في أروقة المجمع القضائي.
في صبيحة اليوم التالي، عقد الأستاذ مراد مؤتمراً مصغراً في مكتبه لإدارة باقي الملفات. كانت قضية الخلع قد تحدد لها جلسة حاسمة لتطبيق الحكم النهائياً، بينما صدر قرار المحكمة بالحجز التحفظي الشامل على ما تبقى من أثاث في منزل والدة مدحت نفاذاً لقائمة المنقولات الزوجية، بالإضافة إلى صدور حكم غيابي بحبسه سنة في قضية تبديد الأمانة.
في غضون أيام قليلة، تحول مدحت من رجل ميسور يستعد لزفاف جديد، إلى متهم يقبع خلف القضبان في انتظار محاكمة الجنايات، ووظيفته جرى إنهاء خدمته فيها رسمياً بناءً على قرار النيابة وإخطار الحبس الاحتياطي، وأصبح اسمه مادة للتندر والحديث في المنطقة بأكملها.
داخل السجن، كان مدحت يقضي ليلته على الأرض الباردة، يمر عليه شريط السنين الـ 12 السابقة. تذكر صبر ريهام عليه، وتذكر كيف كانت تقسم معه لقمة العيش وتدفع من راتبها لنسدد أقساط الشقة، وكيف كانت تسانده في كل كبوة مر بها. أدرك بمرارة قاتلة أن أمه والطمع قاداه إلى الهاوية، وأن المرأة التي ظنها ضعيفة واستكانت لظروفها، تحولت إلى قوة جارفة لا يمكن الوقوف أمامها بعد أن مس كرامتها الغدر.
بالمقابل، كانت ريهام قد استعادت كافة وثائقها البديلة الرسمية من الشهر العقاري، وجلست في صالتها تجدد أثاث المنزل وديكوراته، وكأنها تمحو كل بقايا وجود مدحت من ذاكرة المكان. بدأت تخطط لتأسيس مشروعها الخاص في إدارة التصميمات الهندسية بالاستفادة من مبالغ التأمين والتعويضات التي أقرها لها المحامي.
لكن المأساة لم تقف عند هذا الحد؛ إذ تلقت ريهام اتصالات مكثفة من كبار عائلة مدحت وأقربائه من الصعيد، الذين قرروا التدخل السريع بعد أن أصبحت السمعة العائلية على المحك، وعقدوا جلسة عرفية موسعة لمطالبة ريهام بإنهاء المحاكم مقابل شروط قاسية سيعرضونها عليها، مهددين بفتح ملفات قديمة وأوراق عائلية شائكة لم تكن ريهام تتوقع أن يتم نبشها من جديد.
انعقدت الجلسة العرفية الكبرى في سرادق ضخم أُقيم في إحدى القرى المجاورة لتجمع عائلة مدحت، وتوافد إليها كبار العائلات والوجهاء لرأب الصدع الذي هز سمعة العيلة بأكملها. جلس العمد والمشايخ في صدر المجلس، وأمامهم كان يقف شقيق ريهام وحيدةً نيابة عنها، متسلحاً بالحقيقة ومسنداً بملفات قضايا وأحكام نهائية لا تقبل الشك.
حاول كبار عائلة مدحت في بداية الجلسة ممارسة الضغط الأدبي والعائلي، لوحوا برغبتهم في لم الشمل، وتحدثوا بلغة النخوة والتقاليد، بل وذهب بعضهم إلى التلميح بفتح ملفات ديون ومعاملات تجارية قديمة ومطالبات مالية بين والد ريهام الراحل ووالد مدحت قبل سنوات، في محاولة يائسة لخلق ورقة ضغط تتنازل بموجبها ريهام عن قضية الجنايات وقضايا الخلع والتبديد.
لكن شقيق ريهام لم يرتبك ولم تتراجع قدمه خطوة واحدة. أخرج من حقيبته ملفاً أسود يتضمن نسخاً من جميع إيصالات السداد البنكية، وعقد الشقة الأزرق الموثق بالشهر العقاري، وتفريغ تسريبات الكاميرات التي أثبتت التعدي والسرقة بالإكراه، بالإضافة إلى مستندات رسمية تبرئ ذمة والد ريهام من أي ديون ملغزة. وضع الملف على الطاولة أمام العمدة بنبرة واثقة هددت أركان السرادق:
“يا كبار العائلات.. أنتم جئتم لتطالبوننا بالتنازل وتلوحون بملفات قديمة ملفقة، لكنكم تناسيتم أن ابنتنا صانت بيت مدحت اثنا عشر عاماً، ودققت في القرش قبل المليون لبناء هذا البيت، وكان الجزاء أن يطردوها أمه وهو إلى الشارع ليأتوا بغيرها في ملكها وشقائها! ثم يتهجم عليها في الشارع ويسرقها بالإكراه ويمزق ورقها! القانون قال كلمته، ومن يريد الصلح فليبدأ بتقديم الحقوق لأصحابها، وليس بشرط الفتوة والابتزاز.”
تصفح العمدة والمشايخ المستندات واحداً تلو الآخر، وساد السرادق صمت كالمقابر. تحولت ملامح الحاضرين من الهجوم إلى الذهول الشديد من حجم الغدر والطمع الذي أقدم عليه مدحت وأمه. وقف العمدة واكتسى وجهه بالصرامة، وتطلع إلى خوال مدحت وكبار عائلته وقال بلهجة قاطعة:
“الورق واضح ونظيف كالشمس.. وابنتكم ريهام هي صاحبة الحق الكامل والمنصورة بالقانون والأصول. مدحت وأمه أساؤوا للشرع والعرف وجروا العائلة إلى الهاوية. الجلسة هذه لن تضغط على ريهام، بل سنلزم عائلة مدحت بكتابة إقرار تنازل نهائي عن أي دعاوى كاذبة، ودفع التعويض المالي الذي تقره ريهام بشروطها، وإلا سنرفع يدنا عن مدحت ونتركه يواجه مصيره أمام قضاء الدولة وحدها دون دعم من العائلة!”
تلقى مدحت هذا الخبر داخل محبسه كالصاعقة. سقطت آخر ورقة توت كان يستتر بها؛ فقد تبرأت منه العائلة ورفع كبار القوم أيديهم عنه، وأصبح يواجه حبل المحاكمة الجنائية بمفرده بعد أن رفضت ريهام أي وساطة لا تضمن لها حقوقها وتؤكد رد اعتبارها علناً.
مرت الأيام وساءت حالة مدحت النفسية والصحية داخل السجن، بينما كانت أمه الحاجة فايزة تطوف على مكاتب المحامين تبحث عن ثغرة واحدة تنقذ ولدها، لكن الجميع أكدوا لها أن القضية مكتملة الأركان والتسجيلات المصورة وتحريات المباحث تجعل الحكم بالسجن المشدد مسألة وقت لا أكثر.
في هذه الأثناء، بلغت ريهام الذروة في إعادة بناء حياتها. أنهت جميع ديكورات شقتها، وأسست مكتبها الخاص للتصميم الهندسي بالتعاون مع شقيقها، ووردها أخيرًا حكم الخلع النهائي ليقطع آخر صلة رسمية أو عاطفية بمدحت، وتسترد بذلك حريتها وكرامتها كاملة غير منقوصة.
لكن المحامي الأستاذ مراد استدعاها إلى مكتبه قبل يومين فقط من الجلسة النهائية والفاصلة في محكمة الجنايات، ونظر إليها بنبرة تحمل الكثير من المفاجآت:
“ريهام.. الجلسة القادمة بعد غد هي جلسة النطق بالحكم النهائي في قضية السرقة بالإكراه والتعدي، ومدحت يواجه حكماً قد يصل إلى سبع سنوات سجن مشدد. لكن مدحت عن طريق محاميه أرسل عرضاً أخيراً وغير متوقع إطلاقاً.. عرضاً قد يقلب كل الموازين ويتضمن سر خطير يخفيه عن الجميع منذ سنوات طويلة.”
نظرت ريهام إلى الأستاذ مراد بذهول واستفهام، وشخصت أبصارها نحو الملف الذي يمسك به بين يديه. تنحنح المحامي وقال بصوت خفيض ملؤه الجدية:
“مدحت أرسل مع محاميه إقراراً رسمياً مسجلاً ومعتمداً، يعترف فيه بمسؤوليته كاملة عن كل ما حدث، ويتنازل بموجبه عن أي مطالبات أو حقوق مادية أو عينية، ويدفع التعويض المالي الذي حددناه كاملاً نقدياً من أصل مستحقاته وممتلكاته الشخصية المباعة. لكن السر الحقيقي ليس هنا يا ريهام.. السر يكمن في التقرير الطبي الشامل الذي أرفقه مع الإقرار.”
فتحت ريهام التقرير الطبي المرفق، ولما قرأت سطوره الأولى أظلمت الدنيا في عينيها من شدة الصدمة. كان التقرير صادراً عن أحد المراكز الطبية الكبرى منذ أكثر من تسع سنوات، ويثبت بوضوح حاسم أن العقم والعقم المنسوب لمسألة الإنجاب كان بسبب مشكلة طبية دائمة وغير قابلة للعلاج لدى مدحت نفسه، وأن ريهام كانت سليمة تماماً ولا تعاني من أي مانع صحي يمنعها من الأمومة!




