
سمعت صوتها بيخترق ودني زي طلقة رصاص، صوت جاف خالِ تماماً من أي دفء أو حنان كنت متعود عليه.
أنا: “بنتي؟! أنتِ فين يا حبيبتي؟ ردّي عليا يا قلب أباكي.. أنتِ عايشة؟ حرام عليكِ اللي عملتيه فيا، أنا هموت من غيرك!”
ساد الصمت على الخط لثوانٍ طويلة، ثوانٍ حسيت فيها إن قلبي هيقف من كتر النبض، لحد ما جه صوتها تاني، هادي وثابت بطريقة ترعب:
“أنا مش متصلة عشان أرجع، ولا متصلة عشان أسمع كلام من ده.. أنا متصلة أقولك إني عايشة، عشان تبطل تدوّر عليا وتبطل تنزل صوري على النت، لأن الصور دي بتضايقني في حياتي الجديدة.”
دموعي نزلت بغزارة وصوتي اتخنق: “حياة جديدة إيه يا بنتي؟! أنتِ فين ومين معاكِ؟ بقالك سنة بعيدة عني، سنة وأنا باكل في نفسي وبموت كل يوم ألف مرة.. افتحي الباب لأباكي، اضربيني، دوسي عليا بس ارجعي!”
ضحكت ضحكة خفيفة ماليانة مرار وسخرية، ضحكة عمري ما سمعتها منها قبل كده:
“أضربك؟ أضرب الراجل اللي رفع إيده وضربني بالقلم عشان يرضي وحدة هانت أمه المتوفية؟ الراجل اللي شافني بدبل وبتهان كل يوم وأعمى عينه ودنّه عشان خايف على زعل ‘ست حسنه’؟ لا يا بابا.. أنا مش هضربك، ولا زعلانة منك.. أنا نسيتك أساساً.”
الجملة نزلت عليا كأنها حجر هشم صدري: “نسيتيني؟ أنا أباكي يا حبيبتي.. أنا اللي ربيتك ١٨ سنة، أنا اللي كنت بشيلك على كتفي لما تتعبي..”
ردت بسرعة وبقسوة أشد: “وأنت اللي بعتني في ثانية عشان حلم قديم! أنت اللي اخترت تبيع بنت عمرها ١٨ سنة عشان واحدة ضحكت عليك بكلمتين. أنت فاكر القلم ده ضرب جسدي بس؟ القلم ده طيّر العافية والود اللي كان ليك في قلبي، ومحا كل ذكرى حلوة بنيناها سوا. يومها أنا خرجت من بيتك حافية من أي إحساس ناحيتك.”
بقيت أترجاها وبصوتي حسرة ألمت كل الجدران حواليا: “طب قوليلي أنتِ عايشة إزاي؟ بتاكلي منين؟ ساكنة فين؟ والجامعة اللي سبتيها؟ ابوسي إيدك قوليلي مكانك وأنا أوعدك مش هتشوفي سميرة دي تاني أبدًا، أنا طلقتها من أول يوم مشيتي فيه وراميتها برة حياتي!”
ردت ببرود يرعب: “طلقتها؟ بعد إيه؟ بعد ما طردت بنتك؟ للأسف يا بابا، تصرفك ده ميهمنيش في حاجة، يخصك ويخصها. أما أنا.. فأنَا اشتغلت، وجمعت مصاريفي، وبدرس في جامعة تانية في محافظة تانية خالص. بعت كل حاجة أملكها، واشتغلت في حضانة الصبح وفي مكتبة بالليل عشان أقدر أصرف على نفسي وأحجز أوضة في سكن طالبات. اتعلمت أقف على رجلي من غير ما أحتاج لراجل يبعني لما واحدة تضحك عليه.”
أنا: “يا بنتي حرام عليكِ، أنا أبوكِ! ارحميني، أنا شعري شاب وخسرت شغلي وصحتي راحت.. تعالي نتفاهم، خدي حقك مني بس بلاش البعد ده!”
قالتلي بنبرة أتقل من الجبال: “الصحة اللي راحت دي أنت اللي ضيعتها بإيدك يا بابا، مش أنا. زي ما أنت سيبتني أعيط بالليل وأنا حاضنة صورة أمي عشان خايف تصحي ‘مراتك’.. أنا كمان سيبتك لحسرتك. الرقم ده هيتقفل بعد المكالمة دي مش هتعرف توصلها تاني. أنا بس اتصلت أريحك من العذاب وعشان تبطل تدور عليا. اعتبرني مت زي أمي.. أو اعتبرني البنت اللي أنت دفنتها بجهلك اليوم اللي ضربتها فيه.”
صرخت بعلو صوتي وبكاء هيستيري: “لاااا! يا بنتي عشان خاطر أمك الله يرحمها متقفليش! يارب ارحمني.. يا بنتي استني!”
قبل ما أكمل جملتي، سمعت صوت التكة.. السكة اتقفلت.
مسكت التليفون وأنا بترعش، حاولت أرجع أتصل بنفس الرقم بسرعة، لكن الصوت الآلي الرخيم جالي: “إن الرقم الذي طلبت غير متاح حالياً..”
أتصل تاني.. ومفيش فايدة. التليفون اتكسر في إيدي وأنا بضربه في الأرض بكل قوتي. قعدت في الصالة أصرخ وأضرب على وشي زي النساء، الصدمة كانت أكبر من احتمالي. البنت اللي كنت فاكرها ضعيفة ومكسورة، القلم وقسوة الأيام صنعت منها واحدة تانية خالص.. واحدة متجرده من كل مشاعرها ناحيتي، واحدة نسيتني فعلاً!
مرت أيام وأنا في حالة شبه غيبوبة، لا باكل ولا بشرب، لحد ما في يوم باب البيت خبط بشدة. قمت بجر رجلِ بصعوبة، وفتحت الباب، ولقيت قدامي أخو مراتي الأولى (خال بنتي).
أول ما شافني بالمنظر ده، وشي أصفر وشعري أبيض كلياً وجسمي زي الهيكل العظمي، عينيه امتلأت غضب وحزن في نفس الوقت. دخل البيت ومسكني من أياقة قميصي وزقني على الكنبة.
خالها بصوت هز البيت: “أنت إيه يا أخي؟ أنت معندكش قلب؟ البنت كانت أمانة أختي في رقبتك! سيبت وحدة غريبة تبهدلها وتضربها وتطردها برة بيتك عشان شهوتك وحلمك القذر؟!”
بصيتله وعيني مفيهاش غير الدموع وقولت بصوت مبحوح: “أنت تعرف عنها حاجة؟ اتصلت بيك؟ ارجوك يا أحمد لو تعرف مكانها قولي وأنا والله مستعد أترما تحت رجليها!”
أحمد (خالها) بصلِّي بقرف وطلع ورقة من جيبه ورمادها في وشي: “هي متصلتش بيا عشان ترجعلك، هي اتصلت بيا أنا عشان أجي ألم بقية حاجتها وأوراقها الرسمية اللي هنا، عشان تقطع أخر خيط بيلف حوالين رقبتها ويربطها بيك! البنت مش عايزة تشوف وشك تاني يا محسن، والبنت رافضة تماماً إني أقولك هي فين!”
نزلت على ركبي قدام خالها، ومسكت في رجله وأنا بعيط بكاء يقطع القلب: “أبوس إيدك يا أحمد.. أبوس إيدك قولها أباكي بيموت، قولها لو مشفتهاش هموت كافر من الحسرة! أنت أخو أمها، حن عليها وعليا.. قولي هي فين؟”
أحمد زق إيدي بقسوة وقالي: “أنت اللي موتتها بإيدك يوم ما ضربتها عشان ترضي الحية اللي كنت مجوزها! البنت قالتلي كلمة واحدة مش هنساهالك طول عمري.. قالتلي: ‘يا خالو، بابا بايعني برخيص، وأنا مش هرجع لبيت يتباع فيه كرامتي بابتسامة ست’.. أنت فاهم يعني إيه بنت في سنها تطلع تشتغل مرشدي عشان تصرف على دراستها ومتحتاجش مليم منك؟”
سكت لثواني وبعدين كمل وهو بياخد شنطة أوراقها من الأوضة: “أنا مش هقولك هي فين، لأنها أمنتني، ولو أنا خنت أمانتها أكون زيّك. بس هقولك حاجة واحدة.. البنت بخير، وأقوى منك ومن القسوة اللي شافتها في بيتك.. ادعي ربنا يسامحك على اللي عملته في يتيمة أختي!”
خرج خالها وقفل الباب وراه بقوة، وسبني في الصالة الفاضية.. للحيطان اللي شهدت على ظلمي وعلى صراخ بنتي في الليالي.
قمت بالعافية، مشيت ناحية أوضتها، فتحت الدولاب الفاضي، ومسكت السلسلة الدهب اللي سابتها على التسريحة.. السلسلة اللي مكتوب عليها اسمها وبصمة أمها. حضنت السلسلة لصدري، وقعدت في أرضية الأوضة الفاضية، وأنا عارف إن العقاب اللي ربنا كاتبه عليا مش بس إن بنتي مشيت.. العقاب الحقيقي هو إني هعيش باقي عمري ميت بالبطيء، شايل ذنبها، وعايش في بيت فاضي، ومستني موت مش راضي يجي عشان يريحني من الوجع.
مرت الشهور وأنا عايش في البيت كأني خيال مآتة، لا باكل زي الناس ولا بنام زي البشر. أصحى من النوم فازع على صوت خبطة الباب، أجري وأفتح وأنا بتمنى ألاقيها واقفة قدامي، بس ألاقي الشارع فاضي والريح هي اللي بتصفر. الشقة بقت عبارة عن سجن مظلم، ريحة بنتي وزوايا الأوض اللي كانت بتجري فيها وهي صغيرة بقت بتطاردني في كل لحظة. كل ركن في البيت كان بيصرخ في وشي ويقولي: ” أنت اللي طردتها.. أنت اللي بعتها عشان حلم مزيف”.




