
في يوم من أيام الشتا الثقيلة، وأنا قاعد مستني الموت يجي يريحني، الباب خبط. فتحت وأنا مش متوقع حاجة، ولقيت قدامي واحد من صحاب عمري القدام، اسمه “سعيد”. سعيد كان بقاله سنة مسافر برة مصر وما يعرفش باللي حصل. أول ما شافني على الباب، اتراجع خطوة لورا وصدمته كانت واضحة على وشه.
سعيد بصدمة: “محسن؟! إيه اللي جرى لك يا راجل؟! فين صحتك؟ فين جسمك؟ شعرك أبيض كله ليه كده كأنك عدّيت الثمانين؟!”
سحبته من إيده ودخلته الصالة، وقعدت حكيت له كل حاجة.. حكيت له من أول ما سميرة سكنت في العمارة، لحد اليوم اللي ضربت فيه بنتي بالقلم، والورقة اللي سابتها لي، ولمكالمتها القاسية اللي جردتني فيها من كلمة “أب”. كنت بتكلم ودموعي نازلة تحرق وشي، وسعيد قاعد يسمعني وهو حاطط إيده على وشه مش مصدق.
سعيد اتنهد بحسرة وقال: “يعمل فيك الحب القديم كده يا محسن؟! تضيع بنتي الوحيدة، أمانة المرحومة، عشان واحدة بياعة كلام؟ أنا عارف إن مالكش عين تتكلم، بس أنت لو فضلت قاعد في البيت كده هتتجنن أو تموت مقتول بحسرتك. أنت لازم تقوم، لازم تدور بطريقة تانية.. البنت شغالة وبتقولك في جامعة، وأحمد خالها عارف مكانها.. يبقا السر عند أحمد.”
قلت له بصوت مكسور: “أحمد حلفلي إنه مش هيقولي، وقفل في وشي كل الأبواب، وقال إنه لو قال هيبقا خان أمانة البنت.”
سعيد فكر شوية وقال: “أحمد مش هيقولك أنت.. بس ممكن أروحله أنا. أحمد صاحبي من زمان وبيحترمني، هروحله وأفهمه إنك بتموت فعلاً، وإننا مش رايحين نضايق البنت ولا نفرض نفسنا عليها، احنا بس عايزين نطمن عليها من بعيد لبعيد.. نعرف هي في أنهي محافظة وفي أنهي جامعة، ومن غير ما تحس بيك!”
الكلمة أحيّت فيا أمل أخير، أمل صغيّر جداً بس كان كفيل يخليني أتنفس. اتوسلت لسعيد يروحله فوراً. وبالفعل، سعيد أخد بعضه وراح لأحمد خال بنتي في محله. غاب عني يجي أربع ساعات، أربع ساعات كانوا أطول من السنين اللي عشتها. كنت بروح وأجي في الصالة، أدعي ربنا يلين قلب أحمد.
على أذان العشاء، رجع سعيد. دخل ووشه مش مبشر بأي خير، بس كان فيه لمعة تحفّظ.
أنا بلهفة وجنون: “قولي يا سعيد! حن؟ حكى لك؟ عرفت هي فين؟!”
سعيد قعد على الكنبة وقال بأسى: “أحمد كان هيطردني يا محسن أول ما فتحت معاه الموضوع. قالي البنت حلفته على المصحف ما يديش سرها لأي كائن، وقالي إنها اتعذبت كتير عشان تبدأ من جديد، وإن أي ظهور ليك في حياتها دلوقتي ممكن يخليها تسيب كل حاجة وتهرب تاني لمكان محدش يعلم بيه.”
دموعي نزلت وصرخت: “يعني خلاص؟ مفيش أمل ألمس إيدها قبل ما أموت؟!”
سعيد مسك إيدي بحدة وقال: “اسمعني للأخر! بعد ما اترجيته كتير، وقسمت له بيمين ربنا إنك مش هتقرب منها ولا هتعرفها إنك هناك، أحمد وافق يريح ضميري أنا.. وقال لي اسم المحافظة والجامعة اللي هي فيها، بس أقسمت له إني مش هخليك تروح تبوظ حياتها.”
أول ما سمعت اسم المحافظة — كانت محافظة بعيدة في الصعيد — جسمي كله قشعر. بنتي الناعمة، اللي كانت بتخاف من ضلها، عايشة لوحدها في محافظة غريبة، بتدرس وتشتغل عشان تصرف على نفسها!
ما استنيتش ثانية. بالرغم من تحذيرات سعيد، وبالرغم من تعبي ومرضي، أخدت إزايز أدويتي، ولبست أقدم هدوم عندي عشان محدش يعرفني، وسافرت في نفس الليلة بالقطار. كانت رحلة طويلة في الضلمة، كل فلكة في شريط السكة الحديد كانت بتخبط في قلبي وتفكرني بقسوتي.




