Uncategorized

حكايات زهره الربيع 2

وصلت المحافظة دي مع الفجر. الشوارع كانت هادية، والبرد بيقرس في العظام. قعدت على قهوة جنبة باب الجامعة مستني الصبح يطلع، مستني الميعاد اللي ممكن تظهر فيه. ساعة ورا ساعة، والطلاب بدأوا يتوافدوا على الباب الكبيرة.

وفجأة.. من بعيد.. شفتها!

قلبي وقف، وعيني وسعت ومش قادر أصدق. كانت ماشية في وسط زميلاتها، شايلة كتبها على صدرها. بس مكانتش البنت الصغيرة الدلوعة اللي سبتها في بيتي.. وشها كان فيه ملامح قوة وجدية مرعبة، مبتضحكش زي زمان، ماشية بخطوات ثابتة وواثقة، بس كان باين عليها الإرهاق. تحت عينيها هالات سودة من كثرة السهر والشغل، ولابسة هدوم بسيطة جداً بس نظيفة ومترتبة.

صرخة مكتومة كانت هتطلع من زوري: “يا بنتي!”.. كنت هجري عليها، كنت هرمي نفسي تحت رجليها قدام كل الطلاب وأبوس جزمتها وأترجاها ترجعلي.. بس افتكرت كلام سعيد: “لو ظهرت لها هتهرب تاني ومكالمتها القاسية هتتحقق”.

وقفت ورا شجرة كبيرة على الرصيف المقابل، وجسمي كله بيرتعش من البكاء الصامت. شفتها وهي بتدخل من باب الجامعة، بتعدي من غير ما تلتفت وراها، كأنها قفلت كتاب الماضي ورمته في البحر.

فضلت قاعد مستنيها لحد ما خرجت بعد الضهر. مشيت وراها من بعيد لبعيد، بفارق مسافة كبيرة عشان متلمحنيش. شفتها وهي بتمشي لشارع جانبي، وبتبدأ وردية شغلها في مكتبة صغيرة لطباعة وتصوير الأوراق. شفت بنتي.. حتة مني.. واقفة ورا الماكينة بالساعات، بتصور الورق للطلبة، وتلم الفلوس، ووشها مبتسم بكرامة وعزة نفس لكل زبون، وبعد ما الزبون يمشي ترجع الملامح الحزينة المجهدة تترسم على وشها تاني.

قعدت على الرصيف الناحية التانية من الشارع، أراقبها من ورا إزاج المكتبة وأنا بقطع في نفسي. بنتي اللي كانت بتعيط لو طلباتها اتأخرت ساعة، بقت بتشتغل 12 ساعة في اليوم عشان تاكل وتدفع إيجار أوضتها! وأنا السبب.. أنا اللي خليتها تحتاج للغريب وتستغنى عن أبوها.

فضل الحال ده لمدة أسبوع كامل.. أسافر كل يومين أو أقعد في لوكاندا رخيصة هناك، أصحى الصبح أقف ورا الشجرة ألمحها وهي داخلة الجامعة، وأمشي وراها للمكتبة، وأفضل قاعد لحد ما تقفل بليل وترجع سكن البنات. كانت دي متعتي الوحيدة وعقابي الوحيد في الدنيا.. إني أشوفها من بعيد وأنا محروم من إني أخدها في حضني أو أسمع كلمة “بابا” منها.

وفضل الوضع ده لحد ما جه يوم أسود جديد.. يوم غير كل الحسابات.

في يوم كان المطر فيه نازل بغزارة، والشارع فاضي من الناس. كنت واقف في مدراني المعتاد قدام المكتبة، وشفت بنتي طالعة شايلة كرتونة أوراق ثقيلة عشان تحطها برة تحت التنده. الكرتونة كانت ثقيلة عليها جداً، وجسمها كان ضعيف من كثرة الشغل والقلة الأكل.

وهي بتحط الكرتونة، إيدها اترعشت، ودوخت فجأة.. ووقعت على الأرض وإغمى عليها في وسط المطر والشارع المبلول!

في اللحظة دي، طار عقلي، ونسيت كل التحذيرات، ونسيت الوعود، ونسيت الخوف.. صرخت بأعلى صوتي وطلعت أجري في وسط الشارع المطر بيضرب في وشي: “بنتي!!!!!!”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى