
وهو كل يوم يصحيني من النوم بصراخه وهو بيقول خرجني من هنا يا بابا ، ومع تكرار الحلم ده عملت حركة مجنونه واخدت ناس البلد وفتحت قبره واللي شوفته ميستوعبهوش عقل اصعب صدمة مرت عليا !!
كنت حاسس اني بتنفس في الدنيا دي بـ “عمر”. عمر ابني، اللي عنده عشرين سنة، كان هو النفس اللي بكمل بيه حياتي، والونيس الوحيد اللي فاضلي في الدنيا دي كلها. بعد ما أمه اتوفت وراحت لربها، وبعد ما أخته اتجوزت وسافرت مع جوزها، مبقاش ليّ في الدنيا غيره. كنا ننام ونصحى سوا، ناكل ونشرب سوا، كان هو أخويا وصاحبي وابني وكل أهلي.
وفي يوم، اليوم الأسود اللي مش هيتمسح من ذاكرتي طول ما أنا عايش، كان راجع من جامعة القاهرة زي عادته، واقف مستني المواصلات، ومرة واحدة جات عربية مسرعة طيرته… مات في ساعتها.
لما جالي الخبر، حسيت إن روحي هي اللي طلعت مش روحه. الموت أخد مني حتة من قلبي ودفنها تحت التراب. الأيام بقيت شبه بعضها، الحزن خيم على البيت، الشقة بقت فاضية وضلمة، والدموع مبقتش تنشف من عيني، اكتئاب ملهوش نهاية، وحسيت إن كل حاجة في الدنيا دي انتهت خلاص ومبقاش ليها أي معنى.
بس العذاب الحقيقي مبدأش يوم الحادثة… العذاب بدأ بعد ما دفنته بليلتين.
كنت نايم، وصحيت على صوت صريخ هيجنني. صوت عمر! شفته في الحلم واقف قدامي، بس المنظر كان يرعب… كان في شوكة كبيرة مغروسة في جنبه، والد،،م نازل منها، وهو بيصرخ بوجع يقطع القلب وبيترجاني: “خرجني من هنا يا بابا! طلّعني من هنا!”
قمت من النوم مفزوع، عرقان وقلبي بيدق زي الطبلة. اتعوذت من الشيطان، قمت اتوضيت وصليت ركعتين، وقعدت أدعيله وأقرأله قرآن. قلت في نفسي: “دي أضغاث أحلام، أنا بس عشان بفكر فيه ومش قادر أصدق إنه فارقني.”
تاني يوم… نفس الكابوس. بنفس الصريخ: “خرجني من هنا يا بابا!”
التالت… الرابع… عدى أسبوع كامل وأنا مبدوقش طعم النوم. كل ما أغمض عيني، يجيبلي عمر وهو بيتوجع، والشوكة مغروسة في جنبه، وبيصرخ: “طلّعني يا بابا!”
كنت هتجنن. طيب ليه معقوله ابني بيتعذب؟ بس عمر ده طول عمره كان نسمة، ولد تقي وبار، بيصلي فروضه كلها في وقتها، بيصوم، وبيطلع زكاة، والقرآن ده مكنش بيفارق إيده ولا لسانه لحظة. ولد متربي وعارف ربنا، ليه الكابوس ده؟
قلت خلاص، أنا اللي عقلي طار وأنا اللي جايز اكون تعبت. رحت لدكتور نفساني، قعدت معاه وحكيتله، كتبلي على مهدئات وادويه، وقال لي: “دي صدمة نفسية جامدة يا عبد السميع، عقلك الباطن مش قادر يستوعب الفقد، عشان كده بيصورلك الكوابيس دي.”
أخدت العلاج، وقلت يمكن أرتاح… بس ولا المهدئات عملت حاجة. وجالي عمر بنفس منظره وبنفس الصرخة اللي بتهز كياني.
لحد ما جت الليلة اللي غيرت كل حاجة.
صليت العشا وقعدت ادعي لابني ومراتي ونمت بالعافيه وقتها شفت في المنام مراتي الله يرحمها، واقفة وجنبها عمر، وكانت بتبكي وقالت”خرج ابنك يا عبد السميع!”
قمت من النوم المرة دي مش بس مفزوع… أنا قمت وجسمي كله بيلبش. خلاص، ده مش مجرد حلم، دي رسالة دي ممكن رؤيه، ولازم أعمل حاجة ..اي حاجه!
أول ما الشمس طلعت، جريت على أخواتي الشباب وبعض كبارات البلد. حكيتلهم وقلتلهم: “أنا لازم أفتح قبر ابني!”
الناس بصولي بنظرات حزن وتأسف، وكانوا بيهزوا رساهم ويقولو لا حول الله …وحد الله مش كده
كانو فاكرين اني اتجننت …بس انا قولت حتى لو فعلا المشكله في عقلي لازم اطمن وافتح القبر.”
حاولوا يمنعوني ويهدوني، بس أنا صممت وزعقت وقلت: ” لو محدش جه معايا هروح لوحدي وأفتحه بأيدي!”
شافوا إصراري فمشوا معايا عشان اهدى
وصلنا المقابر، وريحة التراب والشمس كانت حامية. وقفوا ورايا وهما بيدعولي بالشفاء والرحمة، وأنا وبدأت أزيل التراب وفتحنا القبر انا واخواتي
وبصينا كلنا في القبر الناس اللي كانوا شايفاني مجنون، رجعو لورا وهما بصدمه شديده أما أنا… أنا اتجمدت في مكاني، وكنت هفقد وعيي من اللي شفته جوة القبر!!!!!
نزلت درجات السلم الحجري النازل لبطن القبر، وإيدي ب any ترتعش، والشهقة كتمت في حلقي لما الضوء دخل لجوة المقبرة. الناس اللي كانوا واقفين ورايا وسامعين صراخي اتراجعوا لورا خطوتين من هول المنظر، وفي منهم اللي حط إيده على بقه من الصدمة، ومنهم اللي بدأ يصرخ ويكبر بأعلى صوته: “الله أكبر! لا إله إلا الله!”
اللي شفته جوة القبر ميستوعبهوش عقل ولا يخطُر على بال بشر…
عمر ابني… مكنش ممدد في مكانه اللي دفنته فيه!
الكفن الأبيض اللي لفناه بيه كان متبهدل، ومتقطع من ناحية الجنب، والجثة مكنتش متجهة للقبلة زي ما سبناها يوم الدفنة. عمر كان مقلوب على جنبه، وششه متغطي بالتراب، وإيديه التنين ممدودين لقدام كأنه كان بيحاول يحفر في جدار المقبرة أو يتسلق عشان يخرج! وأبشع حاجة زلزلت كياني وخلت دموعي تتجمد في عيني… إن الجانب الأيمن من الكفن كان مغروس فيه فرع شجرة ناشف وشهير بشوكه الحاد، فرع دخل في جنبه تماماً زي ما كنت بشوفه في الكابوس بالظبط، والدم الناشف كان معلم في الكفن حوالين الشوكة!
وقفت مذهول، رجليا مش شايلاني، والعرق نازل مني زي المية رغم برودة المكان جوة المقبرة. صوت الناس برة كان بينادي عليا بذهول وخوف: “يا عبد السميع! في إيه يا عبد السميع؟ طمنا يا راجل!”
أخويا الكبير “حسين” نزل ورايا وهو بيترعش، ولما بص على عمر، ماسك في كتفي بقوة وقال بصوت مهدود ومخنوع: “إيه ده يا عبد السميع؟! ده… ده إزاي بيحصل؟! هو عمر مكنش مات لما دفنّاه؟!”
الكلمة نزل عليا زي الصاعقة… “مكنش مات؟!”
هل يعقل إن الدكاترة في المستشفى غلطوا لما قالوا إنه فارق الحياة بعد الحادثة؟ هل إحنا دفناه وهو في غيبوبة أو سكتة قلبية مؤقتة؟ هل ابني صحي تحت التراب في الضلمة والخنقة دي، وقعد يصرخ ويخبط في الجدران لحد ما مات من الخوف ونقص الأوكسجين؟ هل عشان كده كان بيجيلي في الحلم ويقولي: “خرجني من هنا يا بابا”؟!
الفكرة لوحدها كانت كفيلة إنها تطير اللي فاضل من عقلي. جثيت على ركبي جنب ابني، مسكت كتافه وأنا بصرخ بصوت زلزل المقابر كلها: “سامحني يا عمر! سامحني يا ابني! أنا اللي دفنتك بإيدي! أنا اللي سبتك للضلمة يا حبيبي!”
أخواتي والرجالة نزلوا بسرعة، سحبوني بالعافية وأنا بصرخ وبحضن في جثة ابني ومش راضي أسيبه. الناس كانت في حالة ذهول تام، الحادثة هزت القرية كلها في دقائق، والأخبار طارت بين الأهالي زي النار في القش: “عبد السميع فتح قبر ابنه ولقاه متحرك من مكانه ومغزوز في جنبه شوك!”
رجعت البيت محمول على الأكتف، ومش قادر أستوعب الحقيقة. بس وسط الذهول والصدمة، دخل عليا “الشيخ مهران”، راجل كبير من أعيان البلد ومعروف برزانته وعقله. قعد جنبي، ومسك إيدي بصرامة وقال لي: “يا عبد السميع، استهدي بالله وركز معايا… اللي شفته ده وراه سر، والموضوع مش مجرد غيبوبة ودفن غلط، الشوكة اللي في جنبه دي مجتش من العدم جوة قبر مقفول بالأسمنت!”
كلام الشيخ مهران نزل عليا كأنه أمل أو بداية الخيط… لو عمر مكنش صحي لوحده… يبقى في حد دخل القبر ده! أو في حاجة تانية بتحصل مش طبيعية!
في نفس الليلة، وقبل ما المفتش أو الصحة يوصلوا عشان يعاينوا الواقعة بناءً على طلبنا، جالي جواب متطبق ومرمي من تحت باب الشقة، مكتوب فيه بخط رديء وبقع دم صغيرة:
“ابنك مش في غيبوبة… وابنك مكنش لوحده في القبر… لو عايز تعرف السر اللي مع ابنك، تعال المقابر لوحدك قبل أذان الفجر.”
مسكت الجواب في إيدي وأنا حاسس إن جسمي كله بيتكتك من البرودة والخوف. الشقة كانت فاضية وضلمة، وصوت ضربات قلبي كان طالع زي الطبولة في ودني. الجواب بين إيديا، وبقع الدم الصغيرة اللي عليه كانت زي النار اللي بتاكل في صوابعي. “تعال المقابر لوحدك قبل أذان الفجر…” العبارة دي كانت بتتردد في عقلي كأنها حكم بالإعدام، بس ما كانش قدامي خيار تاني. لو في أي خيط، حتى لو كان كذب أو فخ، يخليني أفهم إيه اللي حصل لابني عمر، همرّ عليه حتى لو على أطراف الشوك.
بصيت في الساعة المعلقة على الحيطة، كانت التانية والنصف بعد منتصف الليل. الفجر فاضل عليه حوالي ساعة ونص. خرجت من البيت من غير ما أحسس أخواتي أو أي حد من البلد، مشيت في شوارع القرية الفاضية، الهدوء كان مرعب، والكلاب كانت بتعوي بصوت ينقبض له القلب. كل خطوة كنت بمشيها ناحية المقابر كانت تحسسني إن الأرض بتتسحب من تحت رجليا، بس صورة عمر وهو بيصرخ في الحلم والشوكة مغروسة في جنبه كانت هي المحرك الوحيد ليا.
وصلت سور المقابر، الضلمة كانت كاحلة، وما فيش غير نور القمر الخافت اللي نازل على أسطح الشواهد والقبور. الريح كانت بتهب بصوت حفيف بين أشجار الصدر والعوسج النابتة بين المقابر. مشيت بخطوات بطيئة ومرتبكة بين الشواهد لحد ما قربت من قبر عمر.
أول ما قربت، لاحظت حاجة غريبة جداً… الشمعة! كان في شمعة صغيرة متولعة ومحطوطة على الطوب الرصيص اللي فوق القبر، ونورها الضعيف كان بيرتعش مع الهواء!
وقف قلبي في صدري. قربت ببطء وأنا ماسك عصاية خشب تقيلة كنت جايبها معايا، وقلت بصوت مخنوع ويرتعش: “مين هنا؟… مين اللي بعت الجواب؟”
من ورا شجرة عوسج كبيرة ورا القبر، خرج خيال راجل متلفع بشال أسود مغطي وشه كله وما باينش منه غير عينيه اللي كانت بتلمع في الضلمة بشكل يرعب. الراجل وقف على بعد خطوات مني، وقال بصوت فحيح زي صوت التعبان: “جيت يا عبد السميع… كنت عارف إنك هتيجي. قلب الأب ما بيستحملش.”
مسكت العصاية بضغط أكبر وقلت له وعيني مدمعة من الغضب والخوف: “أنت مين؟! وإيه اللي تعرفه عن ابني؟ مين اللي عمل فيه كده جوة القبر؟ اتكلم بدل ما أصرخ وألم عليك أهل البلد كلهم!”
ضحك الراجل ضحكة خفيفة ومكتومة، وخرج إيده من تحت الشال، وكانت إيده مليانة ندوب وجروح قديمة، وقال لي بصوت واطي: “لو صرخت ولميت البلد… سر عمر هيموت معاه، وأنت اللي هتعيش بقية عمرك تتجرح بدموعك. اصبر وافهم يا عبد السميع… ابنك ما صحيش من الموت ولا حاجة، ابنك ما كانش في غيبوبة لما تدفن!”
اتصدمت وقاطعة كلامه وأنا بصرخ: “أمال إيه اللي حرك جثته؟! وإيه الشوكة والدم اللي شفناهم؟! الكفن كان متقطع وإيديه كانت محفورة في الطين!”
قرب الراجل خطوة واحدة، ونزل الشال شوية عن وشه، فظهرت ملامحه… كان “رجب البشاري”! راجل غريب الأطوار ساكن في أطراف البلد، الناس كلها بتبعد عنه وبتتقي شره لأنه شغال في نبش القبور وبيع الآثار والأعمال، ومحدش بيطيق يلمسه.
قال رجب البشاري وهو بيشاور على القبر: “ابنك مات في الحادثة فعلاً يا عبد السميع… بس اللي حصل بعد الدفن بساعات هو اللي يجنن. ليلة دفن عمر، أنا كنت موجود هنا في المقابر… كنت ملقط ميعاد مع ناس عشان نفتح مقبرة قديمة قريبة من هنا. وفي نص الليل، شفت بعيني أربعة رجالة متلثمين، جايبين معاهم عتلة ومعدات، وقربوا من قبر ابنك عمر بالذات!”
جسمي كله اتجمد، وقعدت أسمع بذهول ورعب ما ينقاسش، ورجب كمل كلامه: “فتحت القبر ونزل اتنين منهم لجوة… أنا كنت مستخبي ورا الشجرة وبراقب. سمعت كركبة وجللبة جوة، وبعد دقائق طلعوا وهما شايلين صندوق خشبي صغير كان ملفوف بقماش أسود، وكانوا بيحاولوا يداروه. وهما طالعين مستعجلين، واحد منهم زق جثة ابنك بعنف عشان يوسع لنفسه طريقة لخروج الصندوق، فالجثة اتقلبت على جنبها والكفن اتقطع لما اتشبك في فرع العوسج الناشف اللي كان مرمي جوة مع ردم القبر! وعشان كده الدم اللي كان باقي في العروق نزل على الكفن!”
دموعي نزلت بغزارة وأنا مش قادر أصدق اللي بيمر عليا: “صندوق؟! صندوق إيه اللي كان جوة قبر ابني؟! عمر ولد صغير ما حيلتوش حاجة، ما كانش شايل معاه غير كتبه وساعته!”
رد رجب بنبرة خبيثة وجادة في نفس الوقت: “الصندوق ده ما كانش بتاع عمر… الصندوق ده اتدفن في المقبرة دي من سنين طويلة قبل ما تدفن أنت ابنك فيها! بس السؤال اللي لازم تسأله لنفسك يا عبد السميع… مين اللي كان عارف إن الصندوق جوة المقبرة دي بالذات؟ ومين اللي استغل دفنة ابنك الجديدة عشان يجي ويفتح القبر وياخد الصندوق ويجري؟”
قعدت على الأرض ومش قادر أقف، رأسي كان بيلف والأفكار بتتضارب في عقلي زي الأمواج العاتية. زوجتي الله يرحمها… حلمي بمراتي وهي بتقولي “خرج ابنك يا عبد السميع”… هل كانت روحها وروح عمر بيحاولوا ينبهوني إن قبره اتدنس وإن حس حرمة جثته اتانتهكت عشان جشع ناس مجرمين؟!
رفعت رأسي وطلعت في رجب وقلت له بصوت مهدود: “مين الأربعة دول يا رجب؟ شفت وجوههم؟ تعرف حد منهم؟”
رجب قرب مني أكثر، وتوطى وقال بصوت خفيض جداً كأنه خايف حد يسمعه: “ما شفتش وجوههم كلهم عشان كانوا متلثمين… بس واحد منهم وهما طالعين يجرو، الشال بتاعه اتفك ووقع منه على الأرض… وأنا شفت وشه تحت نور القمر… واحد من كبارات البلد اللي كانوا واقفين معاك الصبح وبيواسك ويقولولك ‘اتعوذ من الشيطان وما تفتحش القبر’!”
وقعت الكلمة عليا زي الصاعقة التي شقت قلبي نصين… “حد من اللي كانوا معايا الصبح؟!”
قبل ما ألحق أسأله عن اسمه أو أتحرك من مكاني، فجأة… أضاءت كشافات تقيلة وقوية جداً ناحية مدخل المقابر، وصوت سرينة عربيات الشرطة ضرب في المكان كله، وأصوات رجالة كتير بتجري وبتصرخ: “احصروا المقابر كلها! محدش يتحرك من مكانه!”
رجب البشاري اتخض وبص ناحية النور وهو بيترعش وقال بغضب وصوت واطي: “يا ابن الكلب يا عبد السميع! أنت بلغت الشرطة وغدرت بيا؟!”
قلت له وأنا مصدوم ومش فاهم حاجة: “والله ما بلغت حد! أنا جيت لوحدي زي ما قلتلي!”
وقبل ما رجب يهرب، اتطوقنا بالكامل من رجال الشرطة ومعاهم عميد المباحث، وجنبه… كان واقف واحد من قرايبي وكبارات البلد اللي اقترحوا عليا ما أفتحش القبر الصبح! كان بيشاور عليا وعلى رجب ويقول للظابط: “هو ده يا باشا… عبد السميع اتجنن ورجع يفتش في المقابر نص الليل ومعاه نباش القبور رجب البشاري!”




