روايات وقصص

بقالى 6 سنين بدفع فاتورة الميه3

مرّ أسبوع كامل كأنه دهر. انتشر خبر الأرض المسجلة باسم الحاجة فاطمة والوقف الخيري في الشارع كله، وأصبح الحديث الوحيد على ألسنة الجيران هو ذكاء الست العجوز ورحمتها، وجشع ابنها الذي انتهى به المطاف خلف أسطار التحقيقات في نيابة الأموال العامة، منتظرًا صدور الأحكام النهائية في قضايا

جاء يوم الجلسة الحاسمة في المحكمة الابتدائية. حضرتُ برفقة الأستاذ سامح بدوي، بينما حضر محامي طارق نيابة عنه، حيث كان طارق محبوسًا على ذمة قضية التزوير. قدم الأستاذ سامح التقرير الطبي الثلاثي، والمستندات المستخرجة من الخزنة، والتسجيل الصوتي المحفوظ، بالإضافة إلى العقود الأصلية لأرض التجمع الخامس الموثقة في الشهر العقاري.

لم يستطع محامي طارق تقديم أي دفع مجدٍ أمام هذه الأدلة الدامغة. وبعد التداول في غرفة المشورة، خرج القاضي ليعلن الحكم التاريخي:

“حكمت المحكمة بتثبيت صحة ونفاذ الوصية والوقف الخيري، واعتماد عقد الوقف الخاص بالمنزل لصالح الرعاية الاجتماعية والخيرية تحت إدارة وإشراف السيدة نادية، مع تخصيص عوائد أرض التجمع الخامس لتجهيز وتوسعة المشروع، وإلزام الورثة برد كافة المبالغ المالية والفواتير المستحقة لصالح نادية.”

دمعت عيناي من شدة الفرح والارتياح عند سماع الحكم. خرجنا من القاعة، وأقبل الأستاذ سامح يهنئني قائلًا:

— ألف مبروك يا مدام نادية! كده البيت بقى رسمي وقانوني تحت إدارتك، وأحلام الحاجة فاطمة هتحقق بأفضل صورة.

في اليوم التالي، رُفع الشمع الأحمر عن باب البيت بحضور حارس قضائي وموظف الأوقاف لتسليمي المفاتيح رسمياً. فتحتُ الباب الداخلي، ودخلتُ الصالة التي ملأتها أضواء الشمس. بدأتُ على الفور في ترتيب البيت والتواصل مع بعض المعارف والجمعيات الخيرية للبدء في ترميم الغرف وتجهيزها لاستقبال الأرامل والمسنات كما وصّت الحاجة فاطمة.

ولكن، في أواخر مفكرة المذكرات التي عثرنا عليها بالخزنة، كانت الحاجة فاطمة قد كتبت في الصفحة الأخيرة:

«فيه شخص واحد بس له حق يعرف سر الأرض والبيت… ابني التاني اللي طارق أقنع الناس كلها إنه مات من عشرين سنة. اسم داليا ابنتي الغائبة… لو ظهرت يوم، ادوها حقها من عوائد الأرض، لأنها هي اللي سابت البلد بسبب ظلم طارق.»

تسمرتُ في مكاني وأنا أقرأ هذه السطور من المفكرة! الحاجة فاطمة لم يكن لها طارق فقط، بل كان لها ابنة تدعى “داليا”، ادّعى طارق أنها توفيت في حادث قديم في الخارج حتى يستفرد بالتركة والأموال!

وفي المساء، بينما كنتُ أقف عند بلكونة بيتي أنظر إلى شجرة الياسمين التي بدأت تُنير فناء البيت المجاور، توقفت سيارة سوداء غريبة أمام باب بيت الحاجة فاطمة.

ترجلت من السيارة سيدة في أواخر الأربعينيات من عمرها، ترتدي ملابس بسيطة وتضع وشاحًا أسود على رأسها، وعلامات التعب والسفر الواضح تبدو على وجهها. وقفت تنظر إلى السور والشجرة بدموع تترقرق في عينيها.

نزلتُ إليها فورًا، ووقفتُ أمام الباب الخارجي وسألتها بهدوء:

— أهلاً يا فندم… بتدوري على حد هنا؟

التفتت إليّ بصوت يرتجف ويدين ترتعشان، وقالت:

— هل ده بيت الحاجة فاطمة عبد الرحيم؟ أنا عرفت إنها اتوفت من فترة قريبة…

قلت لها ونبضات قلبي تتدفق بقوة:

— أيوه يا فندم، ده بيتها… حضرتك مين؟

غالبها البكاء وقالت بصوت خافت:

— أنا داليا… بنت الحاجة فاطمة. طارق أخويا كان قايلي إن أمي ماتت من عشر سنين وقفل كل الأبواب في وشي، ولما عرفت بالصدفة إنها كانت عايشة للشهور الأخيرة، جيت جري من السفر… هل أمي سابتلي أي كلمة قبل ما تموت؟

وقفتُ مشدوهة والكلمات تتجمد في حلقي، وأنا أنظر إلى وجه داليا. كانت تحمل نفس النظرة الدافئة والعينين اللتين طالما رأيتهما في وجه الحاجة فاطمة. تراجعت خطوة إلى الخلف، وفتحت الباب الحديدي على وسعيه وقلت بصوت متهدج:

— اتفضلي يا داليا… بيتك ومكانك. أمك ما نسيتكيش ولا لحظة واحدة.

دخلت داليا إلى الصالة، وسقطت على ركبتيها فور أن وطأت قدمها السجاد القديم. أخذت تنتحب بكاءً مريراً وهي تضم يديها إلى صدرها، وتنادي باسم أمها. جلستُ بجوارها وأنا أهدي من روعها، حتى استكانت قليلاً وبدأت تجفف دموعها بوشاحها الأسود.

قصت عليّ داليا المأساة التي عاشتها؛ كيف استغل طارق بعد وفاة والدهما صغر سنها وضعف حيلتها، ودبر لها مكيدة مالية وضغط عليها لتسافر إلى إحدى دول الخليج للعمل، ثم قطع كل أخبارها عن أمها. كان يرسل لها خطابات مزورة تدعي أن الأم لا تريد رؤيتها، وفي الوقت نفسه كان يقنع الحاجة فاطمة بأن داليا قطعت صلتها بالعائلة واستقرت في الخارج ولن تعود، ثم أشاع بين الجيران بعد سنوات طويلة أنها توفيت في حادث غربة حتى يغلق ملفها تمامًا وينفرد بالتركة.

قلت لها وأنا أمسك بيديها بحرص:

— أمك كانت أذكياء جداً يا داليا. هي كانت حاسة بشر طارق، وقبل وفاتها بشهور اكتشفت اللعبة اللي لعبها عليكِ وعليها.

أخرجتُ مفكرة المذكرات اليومية من حقيبتي، وفتحت لها الصفحة الأخيرة التي كتبت فيها الحاجة فاطمة بخط يدها الواضح:

«يا داليا يا بنتي… لو أريتي الكلام ده، اعرفي إن قلبي عمره ما قسي عليكِ، وإن طارق خدعنا إحنا الاثنين. أنا سيبت لك حقك كاملاً غير مسبوق في عوائد أرض التجمع الخامس، وحطيت شرط صريح في الوقف إنك تكوني الشريكة والناظرة الثانية على البيت مع نادية، عشان بيتي يفضل ملجأ ليكِ ولأي ست مظلومة مالهاش حد.»

شهقت داليا بالبكاء وهي تقبل حروف خط أمها، وكأن روح الحاجة فاطمة عادت لتردد على أذنيها كلمات العفو والمحبة التي حرمها منها طارق لسنوات طويلة.

في الصباح التالي، اتصلتُ بالأستاذ سامح بدوي وطلبته للحضور فورًا. عندما وصل الأستاذ سامح ورأى الأوراق الثبوتية وجواز سفر داليا وتحاليل الإثبات التي أحضرتها معها، اتسعت عيناه من الدهشة، ثم ابتسم قائلًا:

— سبحان الله! الحاجة فاطمة كانت تدبر أمورها بحكمة غريبة. وجود داليا دلوقتي مش بس هيحمي الوقف، ده هيوجه ضربة قاضية وأخيرة لكل الطعون اللي بيحاول محامي طارق يرفضها في استئناف قضايا التزوير!

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى